التاجر الصدوق "عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه"

محمد سيد حسين عبد الواحد

موعدنا بعون الله تعالى لنتحدث عن التاجر الصدوق ويقتصر حديثنا وينحصر في هذا الموضوع عن تاجر صدوق من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو الجليل عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه وأرضاه..

  • التصنيفات: سير الصحابة -


أيها الإخوة الكرام: اليوم موعدنا بعون الله تعالى لنتحدث عن التاجر الصدوق ويقتصر حديثنا وينحصر في هذا الموضوع عن تاجر صدوق من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو الجليل عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه وأرضاه..

ولد عبد الرحمن بعد عام الفيل بعشر سنوات ، وينتهي نسبه رضى الله عنه إلى بني زهرة أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو أحد السابقين الأولين إلى الإسلام ، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة ، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى ، وهاجر إلى المدينة المنورة بنور صاحبها صلى الله عليه وسلم  ..

شهد جميع الغزوات مع النبي عليه الصلاة والسلام ، هو من أهل بدر الذين قال الله فيهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ، وهو من الذين ثبتوا مع رسول الله يوم أحد ، وفيه وفي أمثاله نزلت الآية { ﴿ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا۟ مَا عَٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُۥ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا۟ تَبْدِيلًا ﴾}

وشهد يوم الأحزاب ، وشهد الحديبية ، وشهد بيعة الرضوان وشهد فتح مكة وفيه وفي أمثاله نزلت الآية { ﴿ لَّقَدْ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَٰبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾}

وشهد عبد الرحمن بن عوف غزوة تبوك وفيها استبطأ الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكادت الصلاة أن تخرج عن وقتها فقدموا للإمامة عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم الركعة الأولى ، فلما شرع في الثانية أدركه رسول الله فصلى مأموماً خلفه، فَلَمَّا سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُتِمُّ صَلَاتَهُ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَكْثَرُوا التَّسْبِيحَ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ: أَحْسَنْتُمْ، أَوَ قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمْ يَغْبِطُهُمْ، أَنْ صَلَّوْا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ..

عمل عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه بالتجارة قبل الإسلام وبعده ، وعمل بها قبل الهجرة وبعدها ..

خرج من مكة مهاجراً إلى الله ورسوله صفر اليدين بلا مال ولا متاع ولا تجارة ، فآخى رسول الله بينه وبين سعد بن الربيع رضى الله عنه ودارت بينهما هذه المحادثة..

ورد في صحيح الجامع من حديث أنس بن مالك رضى الله عنه قال:- قَدِمَ عَلَيْنَا عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ، وآخَى رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيْنَهُ وبيْنَ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ، وكانَ كَثِيرَ المَالِ. ..
فَقالَ سَعْدٌ: يا عبد الرحمن قدْ عَلِمَتِ الأنْصَارُ أنِّي مِن أكْثَرِهَا مَالًا، سَأَقْسِمُ مَالِي بَيْنِي وبيْنَكَ شَطْرَيْنِ، ولِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أعْجَبَهُما إلَيْكَ فَأُطَلِّقُهَا، حتَّى إذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا ..
 فَقالَ عبدُ الرَّحْمَنِ: يا سعد:بَارَكَ اللَّهُ لكَ في أهْلِكَ ومالك ، دُلُّونِي علَى السُّوقِ، فدلوه على سوق بني قينقاع ، وكان رضي الله عنه ماهراً أميناً ، فأتَى السُّوقَ فَباع واشترى حتى رَبِحَ شيئًا مِن أقِطٍ، وشيئًا مِن سَمْنٍ،
قال أنس : فَلَمْ يَلْبَثْ إلَّا يَسِيرًا حتَّى جَاءَ عبد الرحمن إلى رَسول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعليه وضَرٌ مِن صُفْرَةٍ، فَقالَ له رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَهْيَمْ. فقالَ عبد الرحمن: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأنْصَارِ يا رسول الله، فَقالَ النبي وما سُقْتَ إلَيْهَا؟ وما أمهرتها ؟ 
قالَ: وزْنَ نَوَاةٍ مِن ذَهَبٍ، أوْ نَوَاةً مِن ذَهَبٍ، فَقالَ النبي عليه الصلاة والسلام: أوْلِمْ ولو بشَاةٍ..

الشاهد من هذا الموقف :
بيان عفة عبد الرحمن رضى الله عنه ، أتته الدنيا مبذولة تحت قدميه فأبى إلا أن تكون بعرق الجبين ..

ذكر موقف عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع هذا في مجلس من المجالس فقيل :
فقال أحد الحضور:أين من يعطي عطاء سعد ؟! فأجابه أحدهم فقال ومن يتعفف عفة عبد الرحمن ؟!

ومن هذا الموقف أيضاً نتعلم : أن التجارة هى أوسع أبواب الرزق ، بل ورد أن تسعة أعشار الرزق في التجارة ، وأن أطيب الكسب كسب التاجر الصادق الأمين ..

أطيب الكسب كسب التاجر الذي إذا صُدِّق لم يكذب ، وإذا ائتمن لم يخن ، وإذا وَعَدَ لم يُخلف ، وإذا عاهد لم يغدر ، وإذا اشترى لم يندم ، وإذا باع لم يخدع ، وإذا كان عليه لم يماطل ، وإذا كان له لم يُعسِّر .

عمل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في التجارة فباع واشترى وسافر إلى اليمن في رحلة الشتاء وسافر إلى الشام في رحلة الصيف وتاجر ، ونمت الأموال بين يديه نماء مذهلا حتى قال رضي الله عنه  "لقد رأيتُني لو رفعتُ حجرًا لوجدتُ تحته فضة وذهبا" 

سئل رضى الله عنه عن سبب البركة في ماله وتجارته فقال : ما رددت ربحا قط وما كتمت عيباً قط ..

أكثر أبواب الرزق نماء وخيراً وبركة هى (التجارة) بشرط أن يتحلى التاجر بالنزاهة والشرف : قال النبي عليه الصلاة والسلام [الْبَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا، فإنْ صَدَقا وبَيَّنا بُورِكَ لهما في بَيْعِهِما، وإنْ كَذَبا وكَتَما مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِما] .

هذه الأموال الطائلة التي اكتسبها عبد الرحمن بن عوف هل غيرت فيه شيئا ؟
هل جعلت منه الأموال جباراً عصياً؟
هل جعلت منه ثروته نمروداً بغياً؟
هل جعل منه ثراءه كفاراً عتياً ؟
هل جعلت منه دنانيره عبداً عصياً ؟
                  كل ذلك لم يكن ..
لم تشغلْه الدنيا، ولم تُلْهِهِ الأموالُ رضي الله عنه..
 لم يُنسِهِ الثَّراءُ حقوقَ الفقراء ..
لم ينسه الغنى حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله تعالى عليهم..
جيء له يومًا بطعام الإفطار، وكان صائمًا، فلما وقعت عيناه عليه فقد شهيته وبكى، وقال: استشهد مصعب بن عمير وهو خير منِّي، فكُفِّن في بردةٍ، إن غطَّت رأسَه بدت رِجلاه، وإن غطَّت رِجلاه بدا رأسُه، واستشهد حمزة وهو خير منِّي، فلم يوجد له ما يدفن فيه إلا بردة، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، وأُعطينا منها ما أُعطينا، وإني لأخشى أن نكون قد عُجِّلَت لنا حسناتُنا.
واجتمع يومًا مع بعض أصحابه على طعامٍ عنده، وما كاد الطعام يوضع أمامهم حتى بكى، وسألوه ما يبكيك يا أبا محمد؟ قال: لقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما شبع هو وأهل بيته من خبزِ الشَّعير ..

عبد الرحمن بن عوف :
طلب الدنيا وأتته الدنيا مبذولة ميسرة فلم يجعلها في قلبه وإنما جعلها تحت قدميه ، فجعلها كلها في سبيل الله عز وجل..
كان رضي الله عنه مثالاً يحتذى في النفقة في سبيل الله تعالى وكان آية في الجود والكرم :
 تصدق بنصف ماله على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله، وحمل على خمسمائة راحلة في سبيل الله ..
وباع يومًا يوماً من الأيام أرضًا بأربعين ألف دينار فأرسل نصيباً منها هدية لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، وجعل نصيباً منها في ذوي رحمه من بني زُهرة ، وجعل الباقي في فقراء المسلمين ...
"نِعْمَ المالُ الصَّالحُ للمَرءِ الصَّالحِ" كما قال النبي عليه الصلاة والسلام..
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يوسع أرزاقنا وأن يبارك في ديننا وأموالنا وأولادنا .. إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير.
الخطبة الثانية
بقى لنا في ختام الحديث عن التاجر الصدوق والتي تمثلت يومنا هذا في عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بقى لنا أن نقول : 
ورد في بعض الآثار المكذوبة ما يلي :
أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن : ( «يا بنَ عوف؛ إنَّك من الأغنياء، وإنَّك لا تدخل الجنةَ إلَّا زحفًا، فأقرض ربَّك يطلق قدميك» )).
قال النسائي: هذا حديث موضوع لا تصح نسبته إلى النبي عليه الصلاة والسلام..
 أثر آخرج الإمام أحمد بن حنبل: بسنده عن أنس - بن مالك - قال: بينما عائشة في بَيتها سمعَتْ صوتًا في المدينة، فقالت: ما هذا؟ فقالوا: عِير لعبدالرحمن بن عوف قدِمَت من الشام، تحمل من كلِّ شيء - قال: وكانت سبعمائة بَعير، فارتجَّت المدينة من الصوت - فقالت عائشة: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( «قد رأيتُ عبدالرحمن بن عوف يدخل الجنَّةَ حبوًا» )
قال أنس : فبلغ ذلك عبدالرحمن بن عوف فقال: إن استطعتُ لأَدخلنَّها قائمًا؛ فجعلها بأقتابها وأحمالها في سبيل الله عزَّ وجل.
قال الإمام أحمد: هذا الحديث كذب منكر
عبد الرحمن بن عوف لم يكن الغني الوحيد بين الصحابة ، أبو بكر كان أغنى منه ، عثمان بن عفان كان أغنى منه ، الزبير كان غنيا ، وطلحة كان غنياً ، وسعد بن أبي وقاص كان غنياً ، ولم يتكلم أحد أن أبا بكر أو عثمان أو الزبير سيدخلون الجنة حبواً .. فلماذا يدخلها عبد الرحمن حبواً ، ولا يدخلها أبو بكر حبوا ، ولا يدخلها سعد بن أبي وقاص حبواً ، ولا يدخلها الزبير بن العوام حبواً ؟!
أيدخل عبد الرحمن الجنة حبواً وهو الذي لم يكتم عيباً قط ؟ !!
أيدخل عبد الرحمن الجنة حبواً وهو الذي اكتسب ماله من الحلال .. ؟؟
أيدخل عبد الرحمن الجنة حبواً وهو الذي سابق مع الأولين إلى الإيمان بالله ورسوله.. ؟!! هو أحد الثمانية السابقين الأولين إلى الإسلام..
أيدخل عبد الرحمن الجنة حبواً وهو الذي بشره رسول الله بالجنة وهو حيٌ يرزق .. ؟!! هو أحد العشرة المبشرين بالجنة..
أيدخل عبد الرحمن الجنة حبواً وهو من أهل بدر الذين قال الله فيهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.. ؟!! 
أيها الإخوة الكرام : ما يقال في حق عبد الرحمن بن عوف ، وأنه (يدخل الجنة حبواً) بسبب كثرة أمواله ما هو إلا حلقة من حلقات تشويه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ، كما قيل في حملات التشويه بحق أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من كبار الصحابة ..
المراد : الطعن في السيرة ، وتشويع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طريق الطعن في الذين نقلوها .. 
وهذا ما نصده ونرده عن هؤلاء الكرام من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام.