الرجـل المئــة
الرجل المئة وعلاقته بأهله
الشيخ عبدالـلـطيف الغـامدي

الرجل المائة : عبدٌ لله .. جمعَ شمل قلبه ، وشتاتَ نفسه ، فأقبل على خالقه بكُلِّـيَّـتِه ..

استسلم لأمر الله وانقاد له .. وخضع لمولاه وأذعن لمراده ..

إن سمع أمراً لله ، قال بلسان الحال والمقال : سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير .

فلا تراه إلا مبادراً إليه ، مقبلاً عليه ، مستمسكاً به ..

وإن سمع نهياً من نواهي الله .. كان أبعد ما يكون عنه ، وأقصى ما يمكن منه ..

مقدماً أمر الله على أمر نفسه وهواها ، مؤثراً طاعة الله على ملذات النفس وشهواتها ، ومتع الروح ونزواتها

أقبل على نفسه فزكاها ، وبأمر الله رباها ..

فنهاها عمّا تهواه من معصية خالقه ومولاه ..

فإذا ما ركنت لدنيا فانية ، أو طمعت في نزوة زائلة أو لذة عاجلة ..

أنذرها يوم التلاق ، وتوعدها يوم الحسرة والندامة ، وخوفها مغبَّة تفريطها في يوم القيامة ، وصاح فيها محذراً ومنذراً ...

يانفس قد أزف الرحيلُ وأظلّك الخطبُ الجليلُ

فتأهبي يا نفس لا يلعب بـك الأمــلُ الطويــلُ

فـلــتـنـزلــِنَّ بـمـنـــزلٍ ينسى الخليلَ به الخليلُ

ولـيـركـبنَّ عـليك فـيـهِ من الثرى ثـقـلٌ ثـقيلُ

أشتاق إلى الجنة فسارع في الخيرات ..

وأشفق من النار فالتهى بها عن الشهوات ..

وترقَّب الموت ، وترفَّع عن اللذات ..

وزهد في الدنيا فهانت عليه المصيبات ..

احتاج الناس إلى علمه وفضله ودينه،واستغنى هو عن دنياهم، فشتَّان بين مشرِّقٍ ومغرِّب !

فالناس في شغل بأنفسهم وأولادهم وأزواجهم وحياتهم وهو في شغل بربه وخالقه ، كيف السبيل إلى رضاه ؟! وإدراك محبته والقرب منه ؟!

فلـيتك تـحـلو والحـياة مريـرة وليتك ترضى والأنام غـضاب

وليت الذي بيني وبينك عامـر وبـيـنـي وبين العـالمـين خـراب

 

إذا صحَّ منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب

وإذا أشتغل الناس بعيوب غيرهم ، أشتغل هو بعيوب نفسه، فأقبل عليها مراقباً ومحاسباً ومؤدباً ومهذباً .

المرء إن كان عاقـلاً ورعــاً أشـغـلـه عـن عـيـوبه وَرَعــُهُ

كما السقيم المريض يشغـلـه عن وجـع الناس كـلهم وَجَعُه

وإذا بنوا الدور وتنافسوا في القصور ، بنى بالعمل الصالح قبره ، وأستعد ليوم بعثه ونشره ، وتزود من الباقيات الصالحات ليوم قيامته وحشره .. فتراه قد خرج بقلبه من الدنيا قبل أن يُخرج بروحه وبدنه منها ..

ما زال يلهج بالرحيل وذِكره حتى أناخ ببابه الجمَّالُ

فـأصـابه متـيقـظاً مـُتـشـمِّـراً ذا أُهـبةٍ لم تلهـه الآمالُ

وإذا زين الناس ظواهرهم ، زين باطنه ونقاه ..

وإذا زخرف الناس قوالبهم ، إهتمَّ هو بقلبه ، فطهَّره وزكاه ..

وإذا كان همُّ الناس دنياهم فمن أجلها أحبوا وأبغضوا ، قرَّبوا وأبعدوا ، كان همه الأكبر ، و شغله الأكثر ، الذي خالط ليله ونهاره ، سرَّه وجهاره ، دينه العظيم الذي خُلق من أجله ، فاستشعر واجبه نحوه و تعرّف على دوره فيه ، فقام لله قومة ، ينصر دينه ، ويحمي شريعته ، ويذود عن عقيدته ..

إذا ما مـات ذو علـمٍ وتـقـوى فقد ثلمت من الإسلام ثلمة

وموت الحاكم الـعـدل المـولّى بحكم الأرض منقصةٌ ونقمة

وموت فـتىً كثير الـجود محلٌ فإن بـقـاءه خصـبٌ ونـعـمة

وموت الـعـابـد الـقـوّام لـيـلٌ يـنـاجـي ربـَّه في كلِّ ظـلمة

وموت الفارس الضرغام هدمٌ تـشـهـد له بـالـنـصر عـزمـة

فحسبك خمسة يبـكى عليهم وباقي الناس تخفيفٌ ورحـمة

وبـاقي الخـلـق هـمـجٌ رعاعٌ وفي إيـجـادهـم لله حـكـمـة

العودة لركن المكتبة

العودة إلى الفهرس
الصفحة التالية

ملاحظات هامة لحفظ الملفات
قم بالتأشير على الزر الأيمن للفأرة أمام الرابط واختر حفظ باسم

يفضل التصفح بمايكروسوفت إكسبلورر 5 وشاشة 800*600

حقوق الطبع لكل مسلم ولا يجوز استخدام هذه المواد في أي صورة تجارية