| الرجـل المئــة |
| الرجل المئة ودعوته |
| الشيخ عبدالـلـطيف الغـامدي |
الرجل المائة : نورٌ يستضاء بهديه ، ومنارٌ يتعرف من يخوضون اللجج به على شواطئ النجاة ، ومرافئ الأمان . يضيء للناس طريقهم إلى ربهم ، ويوقظ جذوة الإيمان في صدورهم ، ويذكِّرهم بما هم قادمون عليه ومقبلون عليه من أمر جلل وخطب عظيم ، وأهوال عظيمة ومصاعب جسيمة في سفرهم إلى الله .. ومن ذلك أنَّ الرجل المائة يحب القرآن فيكرم أهله ! فهو يقدمهم على غيرهم ، ويفضلهم على من سواهم ، فيكرم طلاب التحافيظ في المساجد ، بتعاهدهم بتربيته ، ويحوطهم بعنايته ، ويكتنفهم برعايته ، ويضحي من أجلهم بماله ووقته وجهده وفكره ، ويعطيهم من الحوافز والجوائز ما يرغبهم في هذا الطريق ، ويحثهم على المضي قُدُماً في هذا الميدان .
عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنَّ أفضلَكُم مَن تَعلَّمَ القُرآنَ وعلَّمَهُ والرجل المائة : يطبع الكتب النافعة ، وينسخ الأشرطة المؤثرة ، ليتم توزيعها على المقاهي والملاهي ، والمستوصفات والمستشفيات ، والبنوك والسجون ، وصوالين الحلاقة ، وكبائن الهاتف ، ومواقف السيارات ، والمدرس والمصانع ، والمجالس والجوامع .. فكم من ناسٍ تذكر ! وساهٍ تدبر ! وكم من جاهلٍ تعلم ! وعاصٍ تندم ! وكم من ضالٍ اهتدى ! وغاوٍ اعتدل ! والفضل كلُّ الفضل لله أولاً وآخراً ، ظاهراً وباطناً ، ثمَّ لذلك الداعية الصامت ، والناصح الساكت ! وحسبه ، والله حسيبه ؛ هذه الغنيمة الباردة ، والجائزة الجاهزة !
عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من دلَّ على خيرٍ ، فلهُ مِثلُ أجرِ فاعِلِهِ " الرجل المائة : يعيش همَّ الدعوة إلى الله في كلِّ حال ، ويحرص على الأجور المتعدية ، فالعمر وقفٌ لله تعالى ، ليس للنفس منه حظٌ ولا نصيب ، والدعوة لا تعيش على فضول الأوقات ! بل على أفضلها ! سمعت عن رجلٍ عين معلماً في بادية من البوادي حيث الصحراء القاحلة والسهول الموحشة والجبال القفراء والأودية الجدباء .. لم يتوانى كما فعل البعض ، ولم يتقاعس كما صنع الغير ، بل أدرك أنه بدأ رحلة العمل ، ودخل مضمار التسابق على بذل الخير وفعل المعروف يُبصِرُ طلابه يأتون كلَّ صباح بمراكبهم المتهالكه .. يأخذون من علمه وينهلون من خلقه . وما هي إلاَّ لحظات وكأن شيئاً لم يكن .. فالصحراء تبتلعهم بعد لحظات من نهاية الدوام كما تلدهم عند بزوغ الصباح .. ليظل في مدرسته مع نفر قليل ممن هم على شاكلته من المعلمين الذين أخذوا يندبون حظهم ويتحسرون على ماضيهم السعيد ! استشعر الداء .. ثم شرع في الدواء .. بنى مسجداً صغيراً بجوار مدرسته بمساعدة بعض الصالحين .. عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَن بنى مسجداً للهِ ، بنى اللهُ لهُ في الجنَّةِ مِثلَهُ" ثم أقبل على الأغنياء يلتمس منهم العطاء لأولئك الفقراء .. فأصبح يعول الأسر ، ويغني ـ بفضل الله ـ من افتقر .. يطعم الجائع ، ويكسي العريان ، ويرشد التائه الحيران ، وينقل بمركبته من مسَّهم السقم وأمضهم المرض إلى حيث يلتمس لهم العلاج . أحبَّه الناس من أعماقهم ، وتعلقوا به كتعلق الغريق بمن ينقذه ، والقلوب مجبولة على محبة من أحسن إليها وأغدق بفضله عليها .
حفر لهم بئراً بجوار مدرسته ومسجده ..فشرب الناس ماءً نميراً بعد إذ كانوا يتجرعون ماءً مالحاً أُجاجاً . عن جابر رضي الله عنهما : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من حَفَرَ بئرَ ماءٍ لم يشرب منه كَبِدٌ حري من جِن ، ولا إنسٍ ، ولا طائرٍ ، إلا آجره اللهُ يوم القيامةِ " فأخذ البدو الرُّحل يستوطنون بجوار دار العبادة ودار العلم ... فإذا بالبيوت تبنى والمنازل تشيَّد ، وإذا بالناس يُقبلون على حلقات العلم والقرآن التي كان يعقدها في مسجده .. حقاً وصدقاً ؛ لقد كان مشعل هداية ، وشمعة ضياء ! هداية وهدية ، منحة وعطية ، دعوة ودعاء ، فتمكن من سويداء القلوب ليغرس فيها العلم والنور . عن أبي أمامة رضي الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله وملائكته ، وأهلَ السموات والأرض ، حتى النملة في جحرها ، وحتى الحوت في البحر ، ليصلُّون على مُعلم النَّاسِ الخير " جاء بزوجته المرفهة التي أشربت بحضارة التقاعس والخمول .. استشعرت معه الحاجة فوافقت دون لجاجة .. توحَّد الهدف واتحد الطريق .. فانسلخت من جلدها القديم لتمضي مباركة الخطى بين نساء تلك البادية اللاتي استقبلنها كالأرض الجدباء لاعذب الماء .. أقبلت تعلمهن الصلاة والتلاوة وتعقد لهن الدروس والمواعظ .. فغدت أمّةً من الإماء وحدها ! فيا لله ما أسعدها !!
قال تعالى :{ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } سنةٌ كاملةٌ مضت كومض البرق، كانت كفيلةً بأن تحيل ذلك الظلام الحالك في تلك البادية إلى نور يضيء تلك المسالك ، لينيخ حوله العابد والناسك ! وجاء القرار في نهاية العام بنقل ذلك المعلم إلى مدينته التي ألِف ، ورجوعه إلى مسكنه الذي أعتاد .. فأقبل يخاطب نفسه ويحاسب روحه .. لقد غرستُ بذور الخير في أرض الخير فلماذا أرحل عنها قبل أن أراها يانعة فارعة تسرُّ الناظرين ؟! إنني برحيلي عن هذا المكان أفقد هذا الخير وأُحرم هذا العطاء .. وسيأتي بعدي غيري ، فإن كان قليل الهمَّة فاتر العزيمة ، لا هدف له ولا غاية ، فبذر الخير التي زرعتها أخشى عليها من العطب ، فالزرع إن لم يُسقى هلك .. وإن جاء بعدي داعية مبارك ، فسيغنم هذا الخير من دوني ، وسيدرك هذه الأجور التي أنا في أمس الحاجة لها وأشد الفاقة إليها .. فليس هو بأحق مني بالأجر والثواب من رب الأرباب ! و والله إن هؤلاء الناس ليسوا في حاجة لي مثل حاجتي لهم ! أخذ يبكِّت نفسه التي ركنت للراحة والدعة والخمول، ويحاسبها على طلبها الكسل والسكون ، بعد أن رأى إقبال الناس وتقبلهم وحبهم للخير . فما أطاق فراقهم ! وما احتملوا غيابه ! وربك ما الرزيةُ فقدُ مالٍ ولا شاة تموتُ ولا بعيرُ ولكنَّ الرزيــةَ فقدُ حُـرٍّ يموتُ بموته بشـرٌ كثـيرُ فمضى إلى مرجعه الرسمي يطالب بالعدول عن النقل الذي سأل ، ليستمرَّ في تربية من يمسك بعده بخطام الراحلة ويقود القافلة .. رجع ليربي شباب تلك البادية على أن يكونوا سفراء خير ، ورسل هداية ، ورجال عمل ، وصنَّاع حياة ! وكذلك كان ! عن أنس رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" سَبعٌ يجري للعبد أجرهُنَّ ، وهوَ في قبرِه بعدَ موتِه : من عَلَّم عِلماً ، أو أجرىَ نهراً ، أو حفَر بِئراً ، أو غرسَ نخلاً ، أو بنى مسجداً ، أو ورَّث مُصحفاً ، أو تركَ ولداً يستغفرُ لهُ بعدَ موتِه " |
| العودة إلى الفهرس | |
| ملاحظات هامة لحفظ الملفات قم بالتأشير على الزر الأيمن للفأرة أمام الرابط واختر حفظ باسم |
|
| يفضل التصفح بمايكروسوفت إكسبلورر 5 وشاشة 800*600 | |
حقوق الطبع لكل مسلم ولا يجوز استخدام هذه المواد في أي صورة تجارية |
|