الرجـل المئــة
الرجل المئة مع ذي رحمه وجيرانه
الشيخ عبدالـلـطيف الغـامدي

الرجل المائة : يصل ذوي رحمه وإن قطعوه ، يعطيهم وإن منعوه ، يرحمهم وإن جفوه ، يتحنَّنُ عليهم وإن آذوه ، يحلم عليهم وإن سفهوا عليه !

قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم : " ليس الواصل بالمكافئ ، ولكن الواصلُ الذي إذا قَطَعَت رحِـمُـهُ وصلَها "

استمع لشكواه ، إلى خير خلق الله ، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم..

: يا رسول الله ! إن لي قرابةً ، أصِلُهُم ويقطعوني ، وأحسنُ إليهم ويسيئُونَ إليَّ ، وأحلُمُ عنهم ويجهلون عليَّ . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لئن كنتَ كما قلتَ ، فكأنما تُسِفُّـهُمُ الملَّ ، ولا يزالُ معكَ من الله ظهيرٌ عليهم ما دُمتَ على ذلك "

فانظر ـ يا رعاك الله ـ إلى هذا الخلق الجمّ !

فقلبه لا يحتمل أن يحمل بغضاً للقرابة الأدنين ، فقد استنفذ كرهه لأعداء الملَّةِ والدين ، ولما ولمن يبغضه ربُّ العالمين !

وإنَّ الـذي بـيني وبين بني أبي وبيـن بني عمي لمخـتـلـفٌ جـدا

فإن أكلوا لحمي وفرتُ لحومـهـم وإن هـدمـوا مـجدي بنيت لهم مجدا

وإن ضيعوا غيبي حفظـــت غيوبهم وإن هم هـووا غيي هويت لهم رشدا

وإن بـادهـوني بالعـداوة لم أكـن أبـادههم إلاَّ بما يـثـبـتُ الرشدا

وإن قطعـوا مني الأواصـرَ ضـلةً وصلت لهم مني المـحبة والودا

ولا أحـمـل الحـقدَ القديم عليهمُ وليس رئيس القوم من يحمل الحـقدا

لـهـم جـل مالي إن تتابع لي غنى وإن قلَّ مالي لـم أكـلـفـهـم رفـدا

وإني لعبد الضيف ما دام ثـاويــاً وما شـيمـة لي غيرها تـشـبه العبدا

 

والرجل المائة : جيرانه منه في راحةٍ وسعادةٍ ، وأنسٍ ومسرَّةٍ ، وأمنٍ وأمان .

فهو يحنو عليهم ، ويمد بوصله إليهم ، يخلفهم في أهلهم بخير إذا غابوا ، ويعينهم على نوائب دهرهم إذا دهتهم بليَّة ، أو أصابتهم قضيَّة !

لِـتُعـنَ بالجـار قبـل الـدار تـسكنها ولا خير في الدار ما لم يحمد الـجار

الجار إن غبت عن أهل وعن وطن نِـعـم الـخـلـيـفة هـم أهـل وأنصار

فهو يشاركهم في طعامه وشرابه ، ويؤانسهم بلذيذ كلامه وجميل خطابه ..ويجمعهم ليؤلف بينهم ، ويوحد صفهم ، ويجمع كلمتهم ، ويلم شتاتهم ..وبه تغلو الديار وتكرم !

يلومونني إن بعتُ بالرخص منـزلي ولم يعلموا جاراً هُناك يُنغصُ

فـقـلت لـهـم كـفـوا الـمـلام فإنما بجيرانها تغلو الديارُ وترخصُ

كان للإمام أبي حنيفة جار إسكافي ـ خرّاز ـ يعمل نهاره أجمع ، حتى إذا جنَّه الليل ، رجع إلى منزله وقد حمل لحماً ، فطبخه أو سمكةً فشواها ، ثمَّ لا يزال يشرب [ الخمر ] حتى إذا دبَّ الشراب فيه رفع صوته ، وهو يقول :

أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كرية وسداد ثغر

فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم ، وأبو حنيفة يسمع جلبته وهو يصلي الليل ، ففقد صوته ، فسأل عنه ، فقالوا : سجنه الأمير ، فسار إليه أبو حنيفة وشفع له عند الوالي ، فأطلقه وفرَّج عنه .

فقال أبو حنيفة للرجل : يافتى أضعناك ؟ فقال له : بل حفظت ورعيت ، جزاك الله خيراً عن حرمة الجوار ، ثمَّ تاب الرجل وأناب .

أعرف رجلاً سكن بحيٍ أهله متفرقون ، لا يجتمعون ، فأهل الصلاة منهم ـ وهم صفوتهم ـ لا يتعارفون ، ولا يلتقون !

فأتخذ من المسجد منطلق دعوته ، فدعاهم إليه ، ورغبهم في الاجتماع فيه ، فأجابوا النداء ، وحضروا اللقاء .

فالتقت قلوبهم ، وامتزجت نفوسهم ، وتعانقت أرواحهم ، واتحدت في الخير وجهتهم .

قال تعالى :{ وألَّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألَّفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم }

 

فغدوا يلتقون كلَّ شهر ، بل كلَّ أسبوع ، على حفظ كتاب الله تعالى ومدارسته ، وعلى تعلم سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم .

وما هي إلاَّ أشهر معدودة حتى عاد الحي كأنما هو خلية نحل ..

ترابط وتعارف ، تعاون وتآلف ، مشاركة وتكاتف ، محبة ومودة !

وكذلك يفعل الرجل المبارك !

قال ابن المتكدر رحمه الله تعالى : إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده ، وولد ولده ، والدويرات التي حوله ، فما يزالون في حفظ من الله وستر !

العودة لركن المكتبة

العودة إلى الفهرس
الصفحة التالية

ملاحظات هامة لحفظ الملفات
قم بالتأشير على الزر الأيمن للفأرة أمام الرابط واختر حفظ باسم

يفضل التصفح بمايكروسوفت إكسبلورر 5 وشاشة 800*600

حقوق الطبع لكل مسلم ولا يجوز استخدام هذه المواد في أي صورة تجارية