الرجـل المئــة
الرجل المئة ووقوفه في وجه الباطل وأهله
الشيخ عبدالـلـطيف الغـامدي

الرجل المائة : يدحض بعلمه شبهات المارقين ، وأراجيف المبطلين ، ويعيد الناكصين عن الحق إلى الجادَّة ، ويأخذ بحجز الناس حتى لا يقعون كالفراش في أتون الفتن ، ومزالق الانحراف ، ويقف كالجبل الشامخ ، والسدِّ الراسخ في وجه تيارات التخريب والتغريب !

قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : لما اجتمعت الحرورية ـ وهم طائفة من الخارج المبتدعة ، وينسبون إلى حروراء موضع في الكوفة ـ يخرجون على عليٍّ رضي الله عنه ، قال : جعل يأتيه الرجل يقول : يا أمير المؤمنين ! القوم خارجون عليك ، قال : دعهم حتى يخرجوا ، فلما كان ذات يومٍ ، قلت : يا أمير المؤمنين ! أبرِد بالصلاة فلا تفُتني حتى آتي القوم ، قال : فدخلتُ عليهم وهم قائلون ، فإذا هُم مُسهمة وجوههم من السَّهر قد أثَّر السجود في جباههم ، كأن أيديهم ثفن الإبل ، عليهم قمص مرحضة ، فقالوا : ما جاء بك يا ابن عباس ؟ وما هذه الحُلَّة عليك ؟

قال : قلتُ : ما تعيبون من هذه ؟ فلقد رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن ما يكون من الثياب اليمنيه ، قال : ثم قرأت هذه الآية : { قل من حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق }

فقالوا : ما جاء بك ؟ قلت : جئتكم من عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس فيكم منهم أحد ، ومن عند ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعليهم نزل القرآن ، وهم أعلم بتأويله ، جئت لأبلغكم عنهم وأبلغهم عنكم .

فقال بعضهم : لا تخاصموا قريشاً فإن الله تعالى يقول : { بل هم قوم خصمون } فقال : بعضهم : بلى ! فلنكلمنَّه ، قال : فكلمني منهم رجلان أو ثلاثة .

 

قال : قلت : ماذا نقمتم عليه ؟ قالوا : ثلاثاً ، فقلتُ : ما هنَّ ؟ قالوا : حكَّم الرجال في أمر الله ، وقال الله عز وجل : { إنِ الحكمُ إلاَّ لله }

قال : قلت : هذه واحدة ، وماذا أيضاً ؟ قالوا : فإنه قاتل فلم يسب ولم يغنم ؛ فلئن كانوا مؤمنين ما حلَّ قتالهم ، ولئن كانوا كافرين لقد حلَّ قتالهم وسباهم .

قال : قلتُ : وماذا أيضاً ؟ قالوا : ومحا نفسه من أمير المؤمنين ، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين .

قال : قلت : أرأيتم إن أتيتكم من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ينقض قولكم هذا ، أترجعون ؟ قالوا : وما لنا لا نرجع ؟

قلت : أما قولكم حكَّم الرجال في أمر الله ، فإن الله عز وجل قال في كتابه : { ياأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ، ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم } وقال في المرأة وزوجها : { وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها } فصيَّر الله تعالى ذلك إلى حكم الرجال ، فنشدتكم الله أتعلمون حكم الرجال في دماء المسلمين وفي إصلاح ذات بينهم أفضل أو في دم أرنب ثمنه ربع درهم وفي بُضعِ امرأة ؟ قالوا : بلى ، هذا أفضل ، قال : أخرجتُ من هذه ؟ قالوا : نعم ؟

قال : وأما قولكم : قاتل فلم يسب ولم يغنم أفتسبون أمَّكم عائشة رضي الله عنها ؟ فإن قلتم : نسبيها فنستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم ، وإن قلتم : ليست بأمِّنا فقد كفرتم ، فأنتم ترددُّون بي ضلالتين ، أخرجتُ من هذه ؟ قالوا : بلى !

 

قال : وأما قولكم : محا نفسه من أمير المؤمنين فأنا آتيكم بمن ترضون ، إن نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية حين صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اكتب يا عليَّ : هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ..." فقال أبو سفيان وسهيل بن عمرو : ما نعلم أنك رسول الله ، ولو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم إنك تعلم أني رسولك ، امح يا علي ، واكتب : هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وأبو سفيان وسهيل بن عمرو " .

 

قال ابن عباس رضي الله عنهما : فرجع منهم ـ أي الخوارج الذين جادلهم ـ ألفان ، وبقي بقيَّتهم فخرجوا فقُتلوا أجمعين .

أقول : ألفي مبتدعٍ ضالٍ هداهم الله إلى الحق بإذنه على يد هذا الرجل المبارك بكلمات معدودة ولدقائق محدودة !

ألا ما أحوجنا اليوم لذلك الرجل المائة ليجادل أهل الشبهات والشهوات الذين يُلقُون بأراجيفهم في قلوب المؤمنين فيما يقرؤون ويسمعون ويشاهدون ليصُدُّوهم عن التمسك بالدين !

فوا شوقاً لدرَّة عمر ! و واشوقاً لحجة ابن عباس

العودة لركن المكتبة

العودة إلى الفهرس
الصفحة التالية

ملاحظات هامة لحفظ الملفات
قم بالتأشير على الزر الأيمن للفأرة أمام الرابط واختر حفظ باسم

يفضل التصفح بمايكروسوفت إكسبلورر 5 وشاشة 800*600

حقوق الطبع لكل مسلم ولا يجوز استخدام هذه المواد في أي صورة تجارية