| الرجـل المئــة |
| الرجل المئة والثبات حتى الممات |
| الشيخ عبدالـلـطيف الغـامدي |
الرجل المائة ، رجل موقف ومبدأ ، ومنهج ورسالة ! فلا يتذبذب مع طول الطريق وقلَّة السالكين ! ولا يتضعضع في موقفه مع كثرة المخالفين ! ولا يتراجع عن مبدأه الحقَّ ، ولا يغتر بكثرة الهالكين ! فهو يصبر .. ولو طال البلاء .. ويصبر .. ولو زاد الأذى .. ويصبر .. ولو جار العِدا .. ويصبر .. ولو كثر العناء .. ويصبر ولو تخطفته الطير ، ومزِّق كلَّ ممزق .. ويصبر .. حتى يكتبه الله عنده من الصابرين المحتسبين ، ويتخذه من الأئمة المهديين ! قال تعالى : { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } فبالصبر واليقين ، تُنال الإمامة في الدين ! وتأمل ـ إن شئت ـ موقف الصديق أبو بكر رضي الله عنه يوم الردَّة ، بعد وفاة رسول الهدى فداه أبي وأمي وكلَّ غال ومحترم ، وصلى الله عليه وسلم . وحقاً إن للعظمة رجالها ! وليس كلُّ واحدٍ لها ! قبائلٌ ترتد ، وعشائر تكفر ، وأناس تنكص على أعقابها ، وخلق تدبر عن هذا الدين وتولي الدُّبُر ، ويُرى منهم ما كان قد توارى عن الأنظار واحتجب عن الأبصار ! ردة وليس لها إلاَّ أبو بكر ! فمن يردُّ الشاردين عن الدين ؟! إلاَّ من كان : ثاني اثنين إذ هما في الغار ! استمع إليه ـ بقلبك وعقلك وجميع جوارحك ـ يوم يصرخ في مسمع الدنيا ، لتنفذ صرخته فوق البر ، ولتحملها نسمات الرياح على ضفاف البحر ، ولتتناقلها الركبان إلى أقاصي البلدان ، لتصل كالسهم النافذ إلى قلب كلِّ مدبر لا يؤمن بيوم الحساب ! : والله لو منعوني عقال بعير كانوا يُؤدُّنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لحاربتُهم على منعِه . وعادت الخلائق بالموقف الحازم ، والسيف الصارم إلى عبادة الربِّ الخالق . فعاد المعاتب داعياً ، واللائم شاكراً ، وعُرف لأهل الفضل فضلهم ، وهل خلقت المكارم إلاَّ لهم ! قال عمر رضي الله عنه : لو أطاعنا أبو بكرٍ لكفرنا ! وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : لقد قُمنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً كِدنا نهلك فيه ، لولا أن منَّ الله علينا بأبي بكر . ثُمَّ انظر ـ لا أراك الله إلاّ خيراً ـ إلى إمام السنة ، وقامع البدعة ؛ أحمد بن حنبل ! خوَّفوه العيون والسجون ، فما لان ! أرهبوه بالأنكال والأغلال ، فما استكان ! هددوه بالتضييق في الأرزاق ، وبتشويه السمعة والأخلاق ، فما خضع ! رغبوه بالدنيا تمد بوصلها إليه ،وتوضع بين يديه ، فما طمع ! فلك الله يا أحمد ! يوم عشت للدين القويم ، ونسيت نفسك ! قال المروذي : قلت لأبي عبد الله وهو يفتن : إن الله تعالى يقول : { ولا تقتلوا أنفسكم} . فقال : يامروذي : اخرج وانظر . فخرجت إلى رحبة دار الخلافة ، فرأيتُ خلقاً لا يحصيهم إلاَّ الله ، والصحف في أيديهم ، والأقلام والمحابر . فقال لهم المروذي : ماذا تعملون ؟ قالوا : ننظر ما يقول أحمد ، فنكتبه . فدخل فأخبره . فقال : يا مروذي ! أُضِـلُّ هؤلاء كلَّهم ؟! لا يا أحمد ..لا ! لا تجبهم ، ولا تركن إليهم . أنت لست كغيرك ! أنت في الناس رأس ! وفي الأمَّة إمام ! وفي القالب قلب ! فاثبت ! أُثبت ! ولينصرك الربّ ! تصبَّر ففي اللأواء قد يحمد الصبرُ ولولا صروف الدهر لم يُعرف الحرُّ قال أبو جعفر الأنباري : لما حُمِلَ أحمد إلى المأمون ، أُخبرت ، فعبرتُ الفراتَ ، فإذا هو جالس ، فسلمتُ عليه ، فقال : يا أبا جعفر ، تَعَـنَّيتَ . فقلتُ : يا هذا أنت اليومَ رأسٌ ، والناسُ يقتدون بك ، فوالله لئن أجبتَ إلى خلق القرآن ، لَيُـجِيبَـنَّ خلقٌ ، وإن لم تُجب ، ليمتَنِعَـنَّ خلقٌ من الناس كثير . ومع هذا فإنَّ الرجل إن لم يقتُلكَ فإنك تموتُ ، لا بدَّ من الموت ، فاتق الله ولا تجب . فجعل أحمد يبكي ، ويقول : ما شاء الله . أُركِبوه على البغال ، وقيدوه بالأغلال ، وطافوا به في الأسواق ، وعزروه وأهانوه ، حبسوه ، وجلدوه ، وضربوه ، بل وداسوا عليه بالنعال ! فحسبك الله فيمن تعدي عليك وظلمك “! أليس الله هو المرتجى ، وإليه الملتجأ ؟! بلى ! { أليس الله بكافٍ عبده ، ويخوفونك بالذين من دونه } وبقي موقف أحمد ، وثبات أحمد ! وذهب أهل البدعة والخرافة إلى حيث ألقت برحلها أم قشعم ! وسجل التاريخ ثبات أحمد بن حنبل بمداد من نور في كتاب الأمجاد ، وألقى بأهل الزيغ والفساد ،في مزبلة التاريخ ملطخين بثوب الذلة والصغار إلى يوم يبعثون ! أضحى ابن حنبَلَ مِحنةً مرضِيَّةً وبِحُبِّ أحمدَ يُعرفُ الـمُتنسِّكُ وإذا رأيتَ لأحـمـدٍ مُـتـنـقِّصاً فـاعـلـم بأنَّ سُـتـورَهُ سـتُـهتَّكُ وفي ذلك عزاء لمن على شاكلته ، ومن يحمل هـمّـاً كهمه ، وقضيّة كقضيته ! فالمؤمن كالنخلة كلما قُطِّعت أطرافها ، صعدت إلى فوق ، فجذرها في الثرى وهامتها في الثريا |
| العودة إلى الفهرس | |
| ملاحظات هامة لحفظ الملفات قم بالتأشير على الزر الأيمن للفأرة أمام الرابط واختر حفظ باسم |
|
| يفضل التصفح بمايكروسوفت إكسبلورر 5 وشاشة 800*600 | |
حقوق الطبع لكل مسلم ولا يجوز استخدام هذه المواد في أي صورة تجارية |
|