حــوار هادئ مع الشيخ الغـزالي
الفصــل الأول
الشيخ سلمان بن فهد العـودة
فهـرس الكــتـاب

عنــاصر الفصل الأول

صــلة الشيخ الغزالي بالمدرسة العقليـّـة المعـاصرة

معالم المدرسة العقليـة

جوانب الاختلاف بين الغزالي والمدرسة العقلية

جوانب الاتفاق بين الغزالي والمدرسة العقلية

صــلة الشيخ الغزالي بالمدرسة العقليـّـة المعـاصرة

كثير من القراء الذين أتيح لهم الإطلاع علي ما كتبه الشيخ الغزالي أو بعضه يتساءلون: إلي أي مدرسة ينتمي الشيخ الغزالي؟ ما هي المنطلقات والأسس الفكرية التي ينطلق منها، فكان لابد من الحديث عن هذا الموضوع.

خاصة وأن مثل هذه الدراسة تمنح القارئ روية وأناة تجاه اطروحات الشيخ، إذ أن القارئ حين يعترض علي الأصول والأسس، فإن من المنطقي ألا يوافق علي الجزئيات المنبثقة من تلك الأصول.

*إن من الواضح أن الشيخ يحاول ألا يحشر نفسه في إطار معين ويحاول أن ينتقي من الآراء ما يعتقد أو يرى أنه أحري بالقبول، إما لقوة الدليل، أو لملائمة الواقع، أو لأي سبب آخر، ومع ذلك فإن من الممكن، من خلال استعراضي ومعايشتي لمعظم ما كتبه الشيخ من كتب- رسم الإطار العام الذي يتحرك فيه.
كثيرون من الناس يعتبرون الغزالي من اتباع المدرسة العقلية، ويصنفونه "فقهيا" في مدرسة الرأي فما مدى دقة هذا الحكم؟

معالم المدرسة العقليـة

* إن المدرسة العقلية اسم يطلق علي ذلك التوجه الفكري الذي يسعي إلي التوفيق بين نصوص الشرع وبين الحضارة الغربية والفكر الغربي المعاصر، وذلك بتطويع النصوص وتأويلها تأويلا جديدا يتلائم مع المفاهيم المستقرة لدي الغربيين، ومع إنفجار المعلومات والاكتشافات الصناعية الهائلة في هذا العصر، وتتفاوت رموز تلك المدرسة تفاوتاً كبيراً في موقفها من النص الشرعي، ولكنها في الإسراف في تأويل النصوص، سواء كانت نصوص العقيدة، أو نصوص الأحكام، أو الأخبار المحضة، وفي رد ما يستعصي من تلك النصوص علي التأويل.


* أبرز معالم المدرسة العقلية المعاصرة:-


1- رد السنة النبوية كليا أو جزئياً، فمنهم من يردها مطلقا، ومنهم من يقبل المتواتر العملي فقط ومنهم من يقبل المتواتر مطلقاً عمليا كان أو قولياً. أما حديث الآحاد- والمقصود بحديث الآحاد ما لم يبلغ حد التواتر كأن يروى من طريق واحد أو من طريقين فقط أو ما أشبه ذلك دون أن يصل إلي حد التواتر- فقد يقبلون منه ما يتوافق مع روح القرآن، وما يتفق مع العقل، أو التجربة البشرية، وقد يردها بعضهم مطلقاً، فلا يقبل منها شيئاً.

2- التوسع في تفسير القرآن الكريم علي ضوء العلم الحديث بكافة جوانبه، ولو أدي ذلك إلي استحداث أقوال مجانبة لتركيب الآيات القرآنية من الناحية اللغوية، وغير موافقة للمنقول عن السلف رضي الله عنهم، ومن ذلك- مثلا - أن بعضهم يؤولون الملائكة- والشياطين، والجن، والسحر، وقصة آدم، والطير الأبابيل، وغيرها مما ورد في القرآن الكريم كما هو في تفسير الشيخ ( محمد عبده) وهو من أقطاب تلك المدرسة.

3- التهوين من شأن الإجماع، إما برفضه رفضا كليا كما نجد عند " أحمد خان الهندي" وهو من أكابر رجال المدرسة العقلية، بل إن له ن الآراء ما يرفضه العقلانيون الآخرون، فهو يرفض الإجماع رفضاً كليا، ومنهم من يقيد الإجماع، كما نجد عند " محمد عبده" وغيره، حيث يضيف لتعريف الإجماع.

4- الحرية الواسعة في الاجتهاد مع غض النظر عن الشروط المطلوبة في المجتهد، ومع غض النظر ايضاً عن الأطر العامة التي يجب أن تضبط هذا الاجتهاد، ولذلك نجد أن كثيرا منهم وقعوا نتيجة لما يسمونه بـ " الاجتهاد" في آراء شاذة ومنكرة لم يقل بها أحد من قبلهم، وشجعهم علي ذلك موقفهم من الإجماع.

5- الميل إلي تضييف نطاق الغيبيات ما أمكن، وذلك تأثرا بالتيار المادي الذي يسود الحضارة المعاصرة، ومن هنا جاء إقحام العقل في المسائل الغيبية، وتأويل الملائكة والجن والشياطين.. وعند غلاة العقلانيين نجد تأويل الصلاة والزكاة والصوم والحج.

6- تناول الأحكام الشرعية العملية تناولاً يستجيب لضغوط الواقع، ومتطلباته، وذلك كقاضايا الربا، إضافة إلي قضايا " الوحدة الوطنية" التي تجمع المواطنين أيا كان دينهم، وكذلك قضايا " حرية الفكر" وغيرها. ومعالجة هذه المسائل تبدو غالبا بصورة يمكن أن تكون مقبولة لدى مفكري الأمم الأخري، ومتأثرة بالتيارات الفكرية السائدة. وتبرز مثل هذه القضايا في كتابات عدد من المفكرين، كما نجد- مثلاً- قضايا المرأة في فكر " قاسم أمين" الذي يقال إن " محمد عبده" كان وراء ما كتب حول تحرير المرأة.



* ولا يمكن تجاهل أن من بين المنتسبين لهذه المدرسة، أو المنسوبين إليها من لهم آراء سليمة في نبذة التقليد الأعمي، وفي الإصلاح الاجتماعي أو الاقتصادي، أو السياسي، أو التعليمي، أو غيرها.
إن من الطبيعي أن لا يكون هذا العرض لأصول أو معالم المدرسة العقلية مستوعباً مستوفياً وذلك خشية الإطالة، ويمكن مراجعة الكتب المتخصصة في هذا الموضوع وهي كثيرة أشير إلي أبرزها:
فمن الكتب التي تحدثت عن هذه المدرسة حديث المؤيد كتاب الشيخ " محمد البهي" الذي سماه (الفكرالإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي).


* ومن الكتب التي نقدت هذه المدرسة:
( الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية) للشيخ " أبي الحسن الندوي" و
(الفكر الإسلامي المعاصر) لغازي التوبة، فقد تحدث عن المدرسة الإصلاحية ممثلة في "محمد عبده".
وكذلك كتابات الأديب المؤرخ العالم المصري " محمد محمد حسين" - رحمه الله- وبالأخص كتاب ( الاتجاهات الوطني في الأدب المعاصر) وكتاب ( الإسلام والحضارة الغربية).
وهذه المدرسة المسماة " بالمدرسة العقلانية" وقد يسميها بعضهم " بالمدرسة العصرانية" نسبة إلي العصر الذي خضعت لظروفه وتأثرت به- تد رواقها اليوم علي عدد من المدارس، والجماعات، والأشخاص، والمعاهد، التي تهتم بالفكر الإسلامي في عدد من البلاد الإسلامية وفي بلاد أخرى، غربية في أمريكا وغيرها، ولذلك فإن من المهم استجلاء فكرة هذه المدرسة ومعرفته.


* يبرز بعد ذلك السؤال المهم، هل يمكن احتساب الشيخ " الغزالي" ضمن هذه المدرسة؟ كما يقوله البعض، أم أن الأمر ليس كذلك؟ لقد ذكر الشيخ الغزالي في كتاب- (دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين) ص 77- المدرسة الفقهية القديمة- فذكر مدرسة الرأي الممثلة في الأحناف، ثم مدرسة الأثر ممثلة بالفقهاء الآخرين الذين يتبعون الأثر والدليل النقلي، وانتقل بعد ذلك إلي مدرسة ثالثة سماها (مدرسة الموازنة والترجيح) وهي مدرسة " أبن تيمية" وتلامذته، وقد أثني الشيخ علي هذه المدرسة وبين وفاءها للأثر واستفادتها مما في مدرسة الرأي، وعلي الرغم من أن هذه المدراس "فقهية" حسب ما ذكر المؤلف، إلا أنه عقب بذكر المدراس الحديثة فذكر:

اولاً : مدرسة معاصرة أشبه ما تكون بأنها امتداد لمدرسة الأثر، وقال: إنه يمثلها الشوكاني، والصنعاني، وصديق حسن خان، وسيد سابق، والألباني، وأقصي ما استطاع أن يصف به هذه المدرسة أنه قال ( إنهم احسن تصويرا للإسلام من مؤلفي المتون المذهبية)!!
ثم قال في - ص85- ( وهناك مدرسة أخرى أقرب إلي مدرسة ألرأي وإن كان عنوانها سلفيا هي مدرسة الشيخ محمد عبده وتلميذه محمد رشيد رضا ويتبعهم الشيخ محمود شلتوت، ومحمد عبد الله دراز، ومحمد البهي، ومحمد المدني، وقبلهم الشيخ المحقق محمد الخضري، ومنهم الشيخ محمد أبو زهرة) قال الشيخ الغزالي:
(هذه المدرسة لها ملامح بينه فهي وإن قامت علي النقل إلا أنها تروج للعقل وتقدم دليله وترى العقل أصلاً للنقل، وهي تقدم الكتاب علي السنة وتجعل ايماءات الكتاب أولي بالأخذ من أحاديث الآحاد، وهي ترفض مبدأ النسخ وتنكر إنكاراً حاسماً أن يكون في القرآن نص انتهي امده، وترى المذهبية فكرا إسلاميً قد ينتفع به لكنه غير ملزم ومن ثم فهي تنكر التقليد الأعمي وتحترم علم الأئمة وتعمل علي أن يسود الإسلام العالم بعقائده وقيمه الأساسية ولا تلقي بالا إلي مقالات الفرق والمذاهب القديمة أو الحديث، وقد حاولت هذه المدرسة أن تقود الأزهر وتفرض وجهتها علي المسلمين ولكن التيارات العاصفة كانت أقوى منها فوقفتها أو جرفتها).
الشيخ يلخص بهذه الكلمات أبرز معالم تلك المدرسة.

ولا يخفي الشيخ ميله إلي مدرسة الرأي القديمة- مدرسة أبي حنيفه واصحابه.
فهو يقول عنهم : ( إنهم أهل الفحوى والتأمل العميق)- كما في " دستور الوحدة" ص 79- ( وهي تجمع بين نصوص كثيرة وترجح ما ترى أنه الأصوب في نظرها) هكذا يقول عن مدرسة الرأي القديمة.

* وفي كتاب " السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث" ص 24.
يقول " ( وقد كان الفقهاء علي امتداد تاريخنا العلمي هم القادة الموثقين للأمة الذين أسلمت لهم زمامها عن رضي وطمأنينة وقنع أهل الحديث بتقديم ما يتناقلون من آثار كما تقدم مواد البناء للمهندس الذي يبني الدار ويرفع الشرفات). وفيما يبدو فإن الفقهاء في هذا النص هم " أهم الرأي" أما أهل الحديث فهذا اللفظ يشمل مالكا، والشافعي، واحمد، فضلا عن غيرهم من أئمة الحديث كالطبري والأوزاعي والثوري وداود والليث وأبي ثور وسواهم.
وقد صرح الشيخ في "دستور الوحدة" بأن مصطلح أهل الحديث يشمل الثلاثة !


* وبهذا يبدو ميل الشيخ إلي مدرسة الرأي، وإن لم يكن ميلا مطلقاً فهو ينكر عليهم في دستور الوحدة رأيهم في الخمر وأنها من العنب فقط، كما ينكر عليهم احتكارهم لمنصب القضاء في الدولة العباسية ثم العثمانية (أنظر: ص 130 -131 وص 94، وص 81).
وسواء كان ما توصلت إليه صحيحاً أم ليس بصحيح فإن مسألة المذهب الفقهي مسألة هينة، لا تقدم ولا تؤخر ما دام التعصب والتقليد الأعمي مستبعدا.
لكن الأمر المهم هو معرفة " المدرسة الفكرية" التي تحكم اطروحات الغزالي.
فلقد تحدث عن تلك المدرسة المعاصرة ذات " العنوان السلفي" و " المضمون العقلي( )" وأفاض- نسبيا- في عرض اصولها وإيجابياتها.. فهل ذلك أنه يمكن احتساب الغزالي ضمن رجال المدرسة العقلية هذه؟؟


* لابد - قبل الإجابة علي هذا السؤال- من الإشارة إلي نقطتين أراهما مهمتين:


الأولي :   
أن الشيخ الغزالي مر - كغيره- بمراحل فكرية عديدة ولذلك فكتبه القديمة تختلف عن كتبه الجديدة شكلاً ومضمونا، إن من الكتب الرائعة للشيخ كتاب " ليس من الإسلام" وقد وضعت يدي علي قلبي وأنا أتصفح الكتاب حذرا وخوفا مما وراء هذا العنوان - ليس من الإسلام!- ولكنني حين تصفحت الكتاب وجدته كتابا جيداً واضح العرض هائد النبرات، وأصدقكم القول أنني رجعت أقرأ العنوان من جديد وأقرأ اسم المؤلف فقد خيل إلي أن الكتاب لمؤلف آخر غير الغزالي هذا مع أن الكتاب لا يسلم من ملاحظات، من أبرزها كلامه عن الرافضة حين يقرر أنهم لا يختلفون عن أهل السنة في الأصول ولا في الفروع إضافة إلي ملاحظات جزئية يمر شيئ منها.
* لكنه يطرح في الكتاب آراء قيمة ناضجة، من أبرزها كلامه عن البدعة، فقد تكلم عن البدع كلاما قيما نفسيا وذكر نماذج لها وأطال النفس فيها، هذا الكتاب ليس الكتاب الوحيد من كتب الشيخ الجيدة فله كتب أخرى كثيرة لكن غالب كتبه التي يمكن ان يقال عنها إنها جيدة هي الكتب التي لم يتعرض فيها لتلك المسائل والقضايا العلمية والعقدية والفقهية، بل يتحدث فيها عن جوانب التربية والتهذيب والأخلاق، ككتاب " خلق المسلم" وكتاب " فن الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء" وكتاب " جدد حياتك" .. ألخ.
هذه الكتب أصلا لا تتعرض للقضايا العقلية والواقعية التي يكثر فيها الجدل ولذلك كانت اسلم وأبعد عن الخطأ والكتاب الذي ذكرته علي كل حال هو انموذج.

* أما أطروحات الشيخ الأخيرة فهي التي تمثل " المرحلة الجديدة" المتميزة من فكره وهي تتمثل في عدد غير قليل من الكتب، من أبرزها " دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين"، وكتاب " السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث" وكتاب " مائة سؤال حول الإسلام" وهو في جزئين، وكتاب " هموم داعية" وكتاب " مشكلات في طريق الحياة الإسلامية، وكتاب " الدعوة الإسلامية تستقبل قرنها الخامس عشر" وكتاب " مستقبل الإسلام خارج أرضه وكيف نفكر فيه"، وكتاب " سر تأخر العرب والمسلمين".
هذه أبرز الكتب التي أذكرها الآن والتي طرح الشيخ فيها آراءه الجديدة المثيرة.


الثانية :
    ضرورة عرض جوانب الاتفاق وجوانب الاختلاف بين الشيخ وبين المدرسة العقلية بالتفصيل حتى يتسني لنا الحكم بإنصاف ودقة وتحر عن مدى قرب الشيخ أو بعده من تلك المدرسة ولذلك فإنني سوف اعرض جوانب الاختلاف أولاً لأنني أري هذا أقرب للإنصاف، ثم انتقل إلي جوانب الاتفاق.

جوانب الاختلاف بين الغزالي والمدرسة العقلية

جوانب الاختلاف كثيرة .. ومن أبرزها:


اولاً : العقل:

العقل عند الشيخ الغزالي له مجال يعمل فيه، وهو المجال الكوني والأمور الدنيوية البحته من زراعة وتجارة وصناعة وطب ونحوها، اما مجال العلاقات الإنسانية التي تحكم الجنس البشري في حياته علي ظهر الأرض فإن الكلمة فيها لشرائع السماء وحدها كما يقول الشيخ في كتابه " دفاع عن العقيدة والشريعة" ص 121 ويضيف الشيخ ( أما ما لا شك في أن الدين منفرد بالحكم في جملته وتفصيله فهو ميدان العقائد والعبادات) ويضيف ( أن العقل النظيف منته حتما إلي أن الله حق وإنه متصف بكل كمال ومستحق لكل خضوع ولكن الحديث عن الله وصفاته مرجعه إلي الله وحده وتعرف ضروب العبادات الواجبه لا يكون إلا عن طريق الوحي ومعني هذا في جلاء أن نشاط التفكير الإنساني فيما وراء المادة باطل، وكذلك نشاطه في اختراع مراسم وصور لطاعة الله، وحري به أن ينشط حيث امتداد سعيه منتج، وأن يقنع بعد بتلقي ما تولت السماء تعليمه) أ.هـ.
هذا هو " الإطار العام" الذي يتحرك فيه العقل- عند الغزالي- وهو مسلم لا اعتراض عليه- من الناحية النظرية، وإن كان كلاما مقتضيا تغلب عليه العمومية.

* ولكن من الناحية العملية الجزئية فإن الشيخ لم يحدد موقع العقل من النقل بصفة واضحة يمكن من خلالها معرفة منهجه الفكري، وهل هو يقدم دليله، ويراه اصلا للنقل- كما ينقل عن المدرسة العقلية؟! أم أنه يقصر دور العقل مع النقل علي مجرد الفهم والتسليم والانقياد؟
وما دور العقل في القضايا الغيبية التي جاء بها الوحي ولا سبيل للعقل إلي معرفتها؟ وما مجاله في الأحكام التفصيلية؟.. إلي غير ذلك من الأسئلة التي بقيت حائرة لا جواب لها..
هذا بالإضافة إلي أن الشيخ اقحم العقل في مسائل كثيرة جدا ليست داخلة ضمن "الإطار" الذي حدده للعقل- المجال الكوني والأمور الدنيوية البحته.
فمثلاً : قضايا المرأة، قضايا العقيدة، قضايا الأحكام الشرعية المنظمة لحياة الفرد والمجتمع المبينه عن الحلال والحرام.
كل ذلك - وغيره- نجد ثمت شطحات بدعوى العقلانية، وهي علاقنية فرد واحد إن قبلها عشرة فقد يرفضها مائة، وإن جاز لنا تحكيم العقل هنا فأي عقل؟ عقلي أو عقلك أو عقل الغزالي؟ ولذا سنجد - تفصيلا - أن ثمة مسائلة عديدة استساغها الغزالي- عقلا- ونقضها غير بالحجة العقلية؟ ولذا حفظ عن بعض السلف( من جعل دينه عرضه للخصومات اكثر التنقل) أو ( كلما جاءنا رجل هو أجدل من رجل تركنا ديننا لقول فلان؟).
كما أنه يمكن القول بأن هذه ( الجزئيات) الكثيرة التي حوكمت- عقلا- عند الغزالي لا يمكن أن تسبك في منظومه منهجية، بل هي (متفرقات) لا يحكمها حاكم، ولا يجمع شتاتها جامع.


ثانياً : التأويل :

نظراً لهذا الموقع الذي يحتله العقل عند الشيخ، وهو - إجمالاً - أقل من موقع العقل عند أصحاب المدرسة العقلية- فيما يبدو- فإن الشيخ يظهر غالباً وكأنه أقل إسرافا في التأويل من بقية العقلانيين، سواء في نصوص العقيدة أو في نصوص الأحكام، فهو - مثلاً في نصوص العقيدة أو في نصوص الأحكام، فهو - مثلا- في كتاب " عقيدة المسلم" ص 45 ذكر ما ورد في الوحي من إثبات الوجه لله واليدين والأعين والاستواء علي العرش والنزول إلي السماء والقرب من العباد، وانتقد أصحاب المسالك الكلامية من أمثال ذلك الرجل الذي يقول:
نهاية إقدام العقول عقال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا
ولم نستفد من كدنا طول عمرنا
وكم من جبال قد علا شرفاتها
        وأكثر سعي العالمين ضلال
وغاية دنيانا أذي ووبال
سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
رجال فبادوا والجبال جبال

ويقول الشيخ: ( وعلي ذلك فكل ما قطعنا بثبوته في كتاب الله أو في سنة رسوله eمما وصف الله به نفسه واسنده إلي ذاته قبلناه علي العين والرأس ولا نتعسف له تأويلا.. إلخ).
وفي (ص47) من الكتاب نفسه يقول : ( وانا شخصياً أوثر مذهب السلف وأرفض أن يشتغل العقل الإسلامي بالبحث المضني فيما وراء المادة وأرتضي قبول الآيات والأحاديث التي تضمنت اوصافاً لله جل شأنه دون تأويل).

* وكذلك أثبت الشيخ كثيرا من اسماء الله وصفاته دون تأويل وإن كان في موقفه شيئ من التذبذب والإضطراب تأتي الإشارة إليه، ولذلك كانت عقيدة الشيخ في الملائكة والجن والشياطين بعيدة عن التأويل والتعسف الذي وقع فيه "محمد عبده" أو غيره من أقطاب المدرسة العقلية، كما نجد ذلك في كتاب (مائة سؤال عن الإسلام) للغزالي (2/112-119).

* كذلك نجد أنه أثبت قضايا أنكرها كثير من العقلانين، وذلك كنزول عيسي بن مريم عليه السلام في آخر الزمان وظهور الدجال وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، كما في (عقيدة المسلمم)( صد 265)، وانظر - ايضاً- كتاب ( السنة النبوية)( ص 122-124).


ثالثاً : الأحكام الشرعية العملية:

ما سبق يتعلق بنصوص العقيدة:

* أما في مجال الأحكام الشرعية العملية، فإن الشيخ الغزالي أبرز أهمية النصر وضرورة الوقوف عنده، ففي كتاب ( دستور الوحدة) وتحت عنوان - بين النص والمصلحة- (ص44-47) ذكر الشيخ ما نسب إلي عمر رضي الله عنه من أنه ألغي بعض النصوص أو علي الأقل أوقف العمل بها لأنه رأي المصلحة في ذلك وعقب بقوله: ( وهذا كلام خطير معناه أن النص السماوي قد يخالف المصلحة العامة وأن البشر لهم - والحالة هذه- أن يخرجوا عليه ويعدموه كلا المعنيين كاذب مرفوض، فلا يوجد نص إلهي ضد المصلحة، ولا يوجد بشر يملك إلغاء النص) ثم شرع يجيب علي الأمثلة المطروحة كمنع عمر سهم المؤلفة قلوبهم، وعدم إقامة حد السرقة عام المجاعة، ومنعه الزواج بالكتابيات، وقال: ( إن نصوص العبادات والمعاملات سواء في ضرورة الاحترام والإنفاذ) أ.هـ.

* ولقد كان الشيخ واضحا اكثر في كتابه ( كيف نفهم الإسلام) حيث يقول ضمن سياق جيد (ص 183) : ( والعقائد والعبادات والأخلاق والأحكام والحدود هي هداية الله لخلقه وكل محاولة للبتر أو للإضافة أو التحوير هي خروج عن الإسلام، وافتراء علي الله وافتيات علي الناس وتهجم علي الحق بغير علم، وليس يقبل من أحد بته أن يقول هذا نص فات أوانه، أو هذا حكم انقضت أيامه، أو إن الحياة قد بلغت طورا يقتضي ترك كذا من الأحكام، أو التجاوز عن كذا من الشرائع، فهذه كلها محاولات لهدم الإسلام وإعادة الجاهلية، فلنعلم أن تجديد الدين لا يعني إرتكاب شيئ من هذه المحاولات المنكورة ولم يفهم أحد من العلماء الأولين أو الآخرين أن تجديد الدين يعني تسويغ البدع ومطاوعة الرغبات وإتاحة العبث بالنصوص والأصول لكل متهجم، غير أن عصابة من الناس درجت في هذه الأيام علي إثارة لغط غريب حول إمكان ما يسمونه تطوير الدين وجعل احكامه ملائمة للعصر الحديث) أ.هـ.

* ومن هذا المنطلق نجد مخالفة الشيخ لرجال المدرسة العقلية في العديد من المسائل الفقهية ففي (دستور الوحدة الثقافية)( ص 86) ينتقد الشيخ الغزالي تبرم " محمد أبي زهرة" بحد الرجم لأنه ذكر أن " أبا زهرة" أنكر حد الرجم وقال الشيخ الغزالي " ( ولم أر من قال ذلك- يعني إلغاء حد الرجم- إلا نفر من المعتزلة والخوارج، وجمهور المسلمين ضد هذا الرأي).
وكذلك في (ص 86) قال الغزالي: ( وفي فتاوى الشيخ "محمود شلتوت" ما يحتاج إلي مراجعة).

* وكذلك في كتاب ( الإسلام والمناهج الإشتراكية) للغزالي، تحدث عن التأمين بأنواعه وقال إنه حرام ورد علي من أفتوا بجوازه، وذكر ذلك في (ص129-133) ولهذا فلا غرابة حين تحدث الغزالي عن "حسن البنا" في كتاب ( دستور الوحدة الثقافية)( صد 605) فقال : ( ووقف " حسن البناء" علي منهج " محمد عبده" وتلميذه صاحب المنار الشيخ " محمد رشيد رضا" ووقع بينه وبين الأخير حوار مهذب ومع إعجابه بالقدرة العلمية للشيخ " رشيد" وإفادته منها فقد أبي التورط فيما تورط فيه)- يعني أن البنا لم يتورط فيما تورط فيه رشيد رضا-!

* هذه أبرز الجوانب التي خالف فيها الغزالي المدرسة العقلانية وربما لو اقتصر الإنسان علي سماع هذا القدر فقط من الكلام لقال إن الذين ينسبون الغزالي إلي المدرسة العقلانية ظالمون ومخطئون، ولكن الحكم أو القاضي ينبغي إلا يسارع في الحكم حتي يسمع كلام الخصم الآخر.

جوانب الاتفاق بين الغزالي والمدرسة العقلية

وهي عديدة - أيضاً- وكثيرة .. منها:


اولاً : ( أحاديث الآحاد)

رده لحديث الآحاد إذا خالف إيماءات القرآن الكريم - كما يعبر الشيخ- وكذلك عدم إثباته العقائد بحديث الآحاد، وسوف ابحث هذه المسألة علي إنفراد.


ثانياً : ( الإجماع)

شارك الغزالي المدرسة العقلانية في تقييد الإجماع وتحديد النطاق الذي يعمل فيه علي نحو ما رآخ الشيخ " محمد عبده" فهو يرى أن الإجماع" ( هو اتفاق أهل الحل والعقد وهم العلماء والأمراء والسلاطين والقواد ومن في منزلتهم من المسلمين علي أمر من الأمور المتعلقة بالمصالح العامة، وهي التي لأولي الأمر سلطة فيها ووقوف عليها).
وهذا التفسير للإجماع يضيف قيودا جديدة سوف تظهر أثناء الحديث وقد صرح الغزالي بأن هذا رأية في كتاب ( ليس من الإسلام) ( ص 58-59). وفي كتاب (مائة سؤال 2/3) أشار الغزالي إلي أمر جديد وهو أن هذا الإجماع الذي أقره إذا حدث ما يستوجب النظر فيه فهو يمكن أن ينسخ بإجماع آخر من أهل الذكر ومن أصحاب الحل والعقد، ونقل كلاما بهذا المعني " لمحمود شلتوت" ثم ضرب المثال التالي، قال : ( إنني أود لو كتب المصحف بالإملاء المعهود لا بالرسم العثماني ولكني لا أبيح لنفسي نشر مصحف بهذا الإملاء شاقا الإجماع السائد، إذا اجتمع اهل الذكر في الأمة علي ترك الرسم القديم وإثبات الإملاء الجديد فيها، وإلا فكتابه المصحف باقية علي ماهي عليه) أ.هـ.

*إذا أصحاب المدرسة العقلية يضيفون إلي الإجماع قيودا:
القيد الأول:
أنهم يعتبرونه ليس إجماع العلماء فقط بل إجماع العلماء مع أهل الحل والعقد الذين بيدهم الأمور ولهم السلطان وهم ( أولو الأمر).

القيد الثاني:
إن الإجماع عندهم يتعلق بالمصالح العامة فقط التي تتعلق بأمور الناس ولا يتعلق بتفاصيل الأحكام الشرعية وينبغي أن أشير إلي أن الغزالي - أيضاً- ذكر في كتابه (مائة سؤال) نوعا آخر من الإجماع، لكني لم أشر إليه لأنه لا معني لعده إجماعاً فهو يقول إن القسم الثاني من الإجماع وهو الأول في الترتيب عنده - هو الإجماع علي حكم شرعي مستفاد بطريق القطع من كتاب الله تعالي أو من سنه رسوله e .. ويستوى في هذا النص أن يكون من الكتاب أو من السنة ما دامت دلالته قاطعة (ص3).


* فالقسم الثاني من الإجماع هو اتفاق الأمة علي مضمون نص ثبت ثبوتاً قطعياً من القرآن أو من السنة، يعني: حكم أو عقيدة ثبتت بالنص القطعي من القرآن أو من السنة، وهذا الأمر عده إجماعاً لا يقدم ولا يؤخر، لأنه ثابت بالنص القطعي، فلا يحتاج بعد ذلك إلي الإجماع، إلا دليلا مساندا، كما يقال: هذا الأمر ثبت بالكتاب والسنة والإجماع، الغريب أن منهج الشيخ لا يطرد في هذه المسألة شأنه في ذلك شأن مسائل كثيرة لم تسلم من التناقض فهو يقول في كتاب (دستور الوحدة ص 56): ( إن المتفق لعيه كثير جداً وإن التشبث به وحده كاف في النجاة، فالإيمان بالله ولقاءه والسمع والطاعة فيما جاء عنه وأداء الأركان المجمع عليها في ميدان العبادات وترك المعاصي المجمع عليها في ميدان المحظورات وبناء النفوس علي مكارم الأخلاق يقيم أمة لها مكانتها في الدنيا والآخرة).


* وهذا أوسع مما صور عليه الإجماع، وأغرب من ذلك أنه في كتاب (ليس من الإسلام ص61) نقل قول الإمام " أبي إسحاق الأسفراييني" قال - الأسفراييني-: ( نحن نعلم أن مسائل الإجماع أكثر من عشرين ألف مسألة).
ما هي مسائل الإجماع التي هي أكثر من عشرين ألف مسألة؟ هلي هي مسائل قطعية مما يتعلق بالمصالح العامة اتفقت عليها كلمة العلماء والسلاطين؟ ولا شك أن الجواب لا.
ثم يقول - الغزالي - بعدما نقل كلام " الأسفراييني" قال : ( والواقع أن متابعة الإجماع في الأمور التي وقع الاتفاق عليها أولي بالعقلاء وأدعي إلي وحدة الأمة، ما قيمة الخلاف في أمور غيبية؟ ما جدوى شق العصا في شئون العبادات؟ ما معني الشذوذ في فهم نص أجمع الأئمة علي معنى واحد أو معان محدودة له).
وكذلك ندرك أن الغزالي ذهب إلي مدى أبعد في الإجماع في النص الأخير، فلو وجدنا نصا أختلف العلماء في فهمه علي ثلاثة أقولا لكان معنى الكلمة الأخيرة للغزالي أنه لا يجوز لنا إحداث قول رابع في فهم هذا النص، وهذا معني جديد ليس داخلا في تعريف الإجماع الذي أختاره!

* وفي الجانب التفصيلي فقد ناقض الشيخ الإجماع في صورة المختلفة في مسائل كثيرة، من أبرزها، رأية في دية المراة، رأية في توليها السلطة، رأية في الحجاب ( غطاء الوجه)( )، رأية في الغناء.


ثالثاً : ( الغيبيات)
فيما يتعلق بالغيبيات وتضييق نطاقها، وسيأتي بيان مسلك الشيخ في إثبات الملائكة والجن والشياطين والإيمان بأشراط الساعة المخالفة لمعهود الناس، كالدجال، والدابة وطلوع الشمس من مغربها.

* يبقي أن نذكر أن الشيخ يضيق ببعض القضايا الغيبية ويسارع لإنكارها تجاوبا مع ما يسمي في العصر الحاضر بالعلم التجريبي، ولذلك يقول في كتاب ( هموم داعية ص 4) ( وفي عالم يحترم التجربة ويتبع البرهان نصور الدين كغيبيات مستوردة من عالم الجن وتهاويل مبتوته الصلة بعالم الشهادة). وفي هذا النصر تبرم وضيق من التوسع في الغيبيات في مجال الجن وغيرها، وكأن الشيخ في هذه العبارة يشير إلي قضية المس - مس الجني وتلبسه بالأنسي- وهي قضية صرح بإنكارها والسخرية بمن يقول بها في كتاب (السنة النبوية ص 92): وسيأتي الحديث عنها في الفصل الخاص بنقد ذلك الكتاب.
وربما قصد أمورا اخرى وراء ذلك تتعلق بالجن غير مسألة المس مثل تفاصيل اخبار الجن و أحوالهم في السنة المظهرة.

* فقد جاءت السنة بتفاصيل عديدة في الجن وطعامهم ولقائهم للنبي eو وأخذهم عنه وطعام حيواناتهم وبعض الأخبار الثابتة عنهم، ولذلك فإن الشيخ أنكر في كتاب (فقه السيرة) خبر أسماء في الهجرة والذي فيه أنهم سمعوا في مكة صائحاً يصيح لا يدرون من هو يقول بعد هجرة النبي :
جزى الله رب الناس خير جزائه
هما نزلا بالبر ثم تروحا
ليهن بني كعب مكان فتاتهم
        رفيقين حلا خيمتي أم معبد
فأفلح من أمسي رفيق محمد
     ومقعدها للمؤمنين بمرض

ويقول الشيخ (إن الراجح أن الأبيات من إنشاد مؤمن يكتم إيمانه بمكة ويتسمع أخبار المهاجرين.. إلخ ص 179).

* ومن هذا المنطلق - أيضاً- منطلق تضييق نطاق بعض الغيبيات رفض الشيخ- ونستخدم أسلوبه في الرفض- حديث الكلب الأسود شيطان وهو في صحيح مسلم، وقال في كتاب (هموم داعية ص22) ( والذي رفضته أن يتصدى أحد أولئك المبطلين لعلم الأحياء ويهاجم مقرراته ليقول إن الكلب الأسود شيطان وليس كلبا كبقية بني جنسه- يعني بني جنس الكلاب-).

* فالشيخ ينكر ذلك ولا شك أن الذي قال الكلب الأسود شيطان هو الرسول، وذلك المتحدث الذي أشار إليه الشيخ إنما يردد ما قاله النبي وقد ثبت ذلك بالإسناد الصحيح عنه.
يقول الشيخ الغزالي: ( قلت : حديث رفض العمل به جمهور الفقهاء لوم يروه البخاري وهو يعالج الموضوع، ندخل به معركة ضد العلم باسم الإسلام والمسلمين).

* هنا ندرك ضغط ما يسمي بالعلم والعلم التجريبي علي عقول كثير من المفكرين الإسلاميين في هذا العصر- ندخل معركة ضد العلم باسم الإسلام من أجل هذا الحديث! ولذلك يرفض الحديث، وأقول إذا لم يكن لدي الشيخ استعداد لخوض معركة حول الكلب الأسود فلا شك أن لديه استعدادا لخوض المعركة حول إثبات الشياطين، والجن، والملائكة وهي قضايا غيبية تستعصي علي العلم التجريبي ولا يمكن للجن أن يحضروا إلي مختبر أو يشاهدوا بمكبرات أو تلسكوبات وهي قضايا يسخر منها الماديون أيضا، وليس لها وجود مشهود في عالم الناس. فأني لنا أن نقنع أصحاب التفكير المادي التجريبي من الشرق أو الغرب بهذه القضايا، فلو أننا انسقنا وراء هذا الشعور لكنا مضطرين إلي التراجع خطوات أخرى إلي الوراء، ولو فرض أننا استطعنا إقناعهم بذلك وأقنتعوا بالملائكة، والجن، والشياطين، فأي صعوبة بعد ذلك أن يقتنع الإنسان بأن الشيطان يمكن أن يتلبس أو يتمثل في حيوان أسود بهيم؟ لا صعوبة في ذلك.

* وفي هذا الإطار أيضاً يأتي تأويل الشيخ لشق الصدر- شق صدر النبي - والذي ثبت مرتين كما في السنة النبوية الصحيحة ففي كتاب (فقه السيرة ص 64) يقول: ( لو كان اشر إفراز غدة في الجسم ينحسم بانحسامها لقلنا إن ظواهر الآثار مقصودة)، يعني أن الملك استخرج علقه من قلب النبيe ( ولكن أمر الخير والشر أبعد من ذلك بل البديهي أنه في الناحية الروحنية في الإنسان ألصق، شيئ واحد نستطيع استنتاجه من هذه الآثار أن بشرا ممتازا كمحمد لا تدع العناية غرضا للوساوس الصغيرة.. إلخ).
فيؤول شق الصدر تأويلا سبق إليه بطبيعة الحال الشيخ " محمد رشيد رضا" غفر الله للجمعي، ويدخل العقل في هذه القضايا التي صرح هو بأنه لا مدخل للعقل فيها، ولا داعي للخلاف حولها.

* وكذلك نجد الشيخ الغزالي في أكثر من موضع من كتبه يعلق علي الكرامات وشيوعها وانتشرها ويسخر من أولئك الذين أدخلوا الكرامات والإيمان بها ضمن العقائد، وإن كان يصرح بأنه لا ينكرها جملة وتفصيلا لكن عباراته في الهجوم علي الكرامات والقائلين بها شديدة جدا، ومن ذلك - أيضاً- إنكاره لسحر النبي صلى الله عليه وسلم موافقاً في ذلك الشيخ " محمد عبده" حيث اعتبر السحر تخييلا كما يفهم من القرآن الكريم فيما يظنون وذلك في كتاب ( الإسلام والطاقات المعطلة ص 94).



رابعاً : الأحكام العملية التفصيلية :

فيما يتعلق بقضية الأحكام العملية التفصيلية.. وهي قضية قد نقف عندها بعض الشئ، فقد اعتنق الشيخ عددا غير قليل من الآراء الضعيفة والمرجوحة والشاذة وآراء أخرى لم يقل بها أحد من قبل، وسأشير إليها الآن إشارة، وأترك التفصيل لموضوعه:
ولا يخفي الشيخ أن قناعته بها إنما هي بتأثير ضغوط الواقع الجاهلي المسيطر، وهيمنة النظم والقوانين والنظريات الغربية.

* فمن ذلك محاربة الحجاب- أعني تغطية الوجه - وقد شن الشيخ عليه حملة ضارية مستغربة في أكثر من سبعين موضعاً في عدد من كتبه، حتى إن قضية الحجاب وتغطية الوجه من القضايا التي تقلق الشيخ وتقض مضجعه فهو يحشرها بمناسبة وبغير مناسبة- وسأتحدث عن ذلك في نقطة خاصة.

* ومن الآراء الغريبة التي اعتنقها أن للمرأة الحق في تولي سائر المناصب بما في ذلك المناصب العليا كرئاسة الدولة والوزارات والقضاي، كيف لا .. وهذه بلقيس .. وهذه فكتوريا .. وتاتشر .. وجولد مائير.. وغاندي!
* وحين يتحدث عن شهادة المراة يؤكد أن شهادتها في الحدود والقصاص مقبولة، ويعلل هذا الترجيح بقوله: ( ولست أحب أن أوهن ديني أمام القوانين العالمية بموقف لا يستند استنادا قويا إلي النصوص القاطعة).

* إذاً الشيخ محرج أمام القوانين العالمية، ولذلك يصر علي قبول شهادة المرأة في الحدود والقصاص.
وليس مهما ترجيح رأي علي ىخر، لكن الأكثر أهمية معرفة الدافع والمرجح. هلي يجوز أن تشكل" القوانين العالمية" ضغطاً علي حسي يجعلني أرجح قولا عل آخر مسايرة لهذه القوانين؟

* وماذا إذا لو حدث العكس فرجح الرأي المضاد لأنه يخالف ما عليه الكفار الذين أمرنا بمخالفتهم ومجانبة طريقهم وترك التشبه بهم؟ وهذا أصل عظيم تشهد له مئات النصوص!
لم نجعل ترجيحنا خاضعاً لردود فعل ومجاملات لأوضاع وقوانين غربية جاهلية؟
والقضية نفسها تبرز لدى الشيخ في حالات كثيرة تكشف عن سر توسعه في عدد من الآراء والاجتهادات التي لم تبن علي اساس شرعي متين:
في كتابه (مائة سؤال حول الإسلام 2/264) يقول:
(أريد وأنا أعرض الإسلام في بلاد أخري إلا أغير سلوكا في هذه البلاد يرى بعض فقهائنا ألا حرج فيه، فإذا كانوا يقتنون الكلاب فليفعلوا .. وإن كانوا يسمعون الموسيقي فليفعلوا.. وإن كانوا يولون النساء بعض المناصب المهمة فليفعوا..)!

* وأطرف من ذلك وأعجب أن الشيخ- غفر الله لنا وله - في (مستقبل الإسلام ص 82) تحدث عن رأية في حل ما عدا الأربع المذكورة في قوله تعالي: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما علي طاعم يطعمه إلا أن يكون ميته أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس، أو فسقا أهل لغير الله به..).

* فما عدا هذه الأربع المذكورة في الآية من الطيور والحيوانات وغيرها فهو عنده مباح، ثم قال:
( وأوصي الدعاة الذين يذهبون إلي كوريا إلا يفتوا بتحريم لحم الكلاب فالقوم يأكلونها، وليس لدينا نص يفيد الحرمة، ولا نريد أن نضع عوائق أمام كلمة التوحيد! وأصول الإسلام!).

* ألم يصرح الرسول صلى الله عليه وسلم بنجاسة ريق الكلب كما روى البخاري ومسلم ويقول: (طهور إناء احدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعا أولاهن بالتراب)، إنه نجس مغلظ النجاس لا يطهر إلا بسبع غسلات، إحداها مع التراب.. فهل من المعقول أن أهدر النص من أجل سواد عيون الكوريين؟ ومجاملة لأذواقهم وشهواتهم.. إذا، كيف سيرد الشيخ علي من يقولون: إن الخنزير المحرم في عهد النبوة إنما حرم بسبب سوء تغذيته وعدم العناية به، أما اليوم فالخنازير تطعم فاخرا، ويعتني بها من الناحية الصحية فلا تحريم فيها!
كيف سيجيب الشيخ؟ خاصة وأنهم سيقولون له: لا نريد أن نضع عوائق أمام كلمة التوحيد!! وهكذا يكون التحايل علي النصوص والتلاعب بها!
المهم أنه أصبح واضحا أن الشيخ حين يرجح قولا ما، لا يرجحه لأن الدليل معه، آية أو حديثا أو استنباطا علي وفق الاصول المقررة، كلا، وإنما يرجحه لأنه لا يريد أن يوهن دينه أمام القوانين الوضعية.. أو لأنه لا يريد أن يغير شيئاً درجوا عليه وألفوه.

* وهو يدرك أنه خسر الأثنتين، فلا القوم اسلموا حين أذنا لهم بأكل لحوم الكلاب، وأعطيناهم فرصة تنصيب المرأة، ولا نحن حفظنا كرامة النصوص، ووقرنا الإجماع المستقر.. وهل يمكن أن يصدق أحد أن المانع لهؤلاء القوم من الإسلام هي هذه الجزئيات؟
إذا فلن يهتدوا أبدا، لأن ثمت جزئيات بالنص القرآني، سوف تصطدم مع قناعاتهم وواقعهم وقوانينهم، مثلا: تحريم الجنزير- وهو نص صريح- تحريم الأكل مما لم يذكر أسم الله عليه، تعدد الزوجات، نظام الطلاق، نظام الميراث..إلخ!

* هل يشترط الشيخ في النص المعارض للقوانين العالمية أن يكون (قاطعا)؟؟ إن يقول: ( ولست أحب أن أوهن ديني أمام القوانين العالمية بموقف لا يستند إستنادا قويا إلي النصوص القاطعة)!!
لا مانع أن يختلف اجتهاد أهل العلم في المسائل الفرعية بناء علي ثبوت النص أو عدم ثبوته، أو علي اختلاف الفهم، أو طريقة الجمع بين النصوص..إلخ.
أما أن ينتحل منتحل قولا غريبا لأنه يوافق القوانين العالمية، أو يوافق أمزجة الكفار المراد دعوتهم.. فهذا منهج غريب.
ولا أدري لماذا نحتاج الآن إلي نص قاطع مع أن المسألة من المسائل الفرعية- وليست الأصولية-؟ لماذا غير المؤلف منهجه وخالف أصوله؟!

* وفي هذا الإطار يأتي إصرار الشيخ علي ضرورة إخراج المرأة إلي المسجد وأن هذا هو السنة إذ كيف يجوز أن نفتي بغير ذلك في عصر تمكنت فيه المرأة من غزو الفضاء؟ وصارت تنال الدرجات العليا والجوائز الضخمة! - وهكذا منطق الشيخ-!
إنها الهزيمة النفسية أمام ضغوط الحضارة الغربية المنتصرة.

* وإذا تجاوزنا الحديث عن المراة- فله مكان آخر- وجدنا الشيخ يشن هجوما علي الحرب في سبيل نشر العقيدة وينكر أن تكون حرب قامت من أجل نشر العقيدة، فحين يتحدث عن حركة الشيخ ( محمد بن عبد الوهاب) يقول: ( إن الوسائل الرديئة هي التي هزمتها) ثم يقول ( إن الإقناع أهم من التخويف، والدليل أهدى من السيف، وأنا أريد هداية الناس لا أسرهم، ومن نظر إلي الدنيا علي أنها مغنم له إذا انتصر فهو قاطع طريق وليس داعياً إلي الله، وهو أجهل الناس بسيرة محمد وشريعته صلى الله عليه وسلم !!).

* هذا في كتاب (مائة سؤال حول الإسلام ص 2/108) ويضيف الشيخ قائلا: ( وإذا كان القتال الغبي لا مساغ له من أجل العقيدة فكيف إذا كان في سبيل نقاب يوضع علي وجه أمرأة أو غطاء يوضع علي قافية الرأس أو صورة ترسم علي ورقة إن البعض مستعد لحرب أشد من حرب داحس والغبراء من أجل هذه القضايا المحقورة!!) ومن أجل ذلك- أيضاً- رد الشيخ حديث " بعثت بالسيف بين يدي الساعة" وأنكره، وبعد أن علق تعليقا طويلا- قال :
(ولم تبدأ سياسة العصا الغليظة- يعني في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم- إلا بعد أن أوجعت عصا الأعداء جلود المؤمنين وكسرت عظامهم).

* ثم شرح الشيخ ما يدل علي أن الجهاد في الإسلام - عنده - دفاع فقط لا هجوم ثم قال: ( وأنا وغيري من المشتغلين بالدعوة الإسلامية ننظر باهتمام بالغ إلي أحوال الناس وراء دار الإسلام ننظر إلي التيارات الفكرية التي تسودهم والمذاهب الخلقية والدينية التي تؤثر فيهم وأنصبة الحضارة التي حصلوا عليها ومقادير الإنتاج التي يصدرونها للعالم… إلخ) ( السنة النبوية ص 111). وفي (113) يقول: ( هذه أنباء السباق الحضاري بين الدول الصناعية في أوروبا وأمريكا وشرق آسيا، ترى ما أخبار العرب والمسلمين في هذا الميدان) إذا ضغط الحضارة هو الذي يدعوة إلي رفض الحرب الهجومية، ويكون الشيخ أكثر وضوحا في كتاب (الدعوة تستقبل قرنها الخامس عشر ص 18) يقول وهو يتحدث عن الحرب الإسلامية ( وما نلوم المبشرين والمستشرقين فيما اختلفوا من إفك وإنما نلوم نفرا من الناس لبس أزياء العلماء وهم سوقه وانطلق في عصبية طائشة يزعم أن الإسلام يمهد لحرب الهجوم وينشر دعوته بالسيف وتتبعت كلام هؤلاء فإذا أحدهم يكتب تدليلاً علي وجهة نظره إن الإسلام حارب في بدر معنويا، وأنه شن الهجوم علي قافلة المشركين لأنهم مشركون مستباحون، قلت: هذا هو كلام الإسرائيليين في شتم الفدائيين الفلسطينيين).

* وقبل مغادرة هذه المسألة هناك تعليقات خفيفان:

التعليق الأول:
حول قوله ( إن الوسائل الرديئة هي التي هزمتها) يعني الدعوة الوهابية، وأقول أي هزيمة يعني؟ وهل حققت حركة من حركات الإصلاح الحديثة من النجاح مثل ما حققت حركة الشيخ " محمد بن عبد الوهاب"؟ وهل بقي لدعوة من التأثير والتأييد والواقع الذي ينتمي إليها مهما يكن فيه من التقصير والنقص والخلل، هلي بقي لحركة مثل ما بقي لحركة الشيخ؟ كلا، وما هو النجاح الذي احرزته الدعوات التي كانت تتدسس بالإسلام وتجامل علي حسابه؟

التعليق الثاني:
إن الذين يقولون الحرب هجوم يعنون أنها حرب هجومية لإزالة الفتنة عن الناس وإخضاع العالم لحكم الإسلام لا لإكراه الناس علي الدخول في الدين، فإن الله عز وجل يقول: ( لا إكراه في الدين). وهؤلاء معهم ظواهر القرآن الامر بالقتال كما في قوله تعالي( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) ومعهم ايضاً نصوص السنة الصريحة في أن لاناس يقاتلون علي إحدى ثلاث، إما الإسلام وإما الجزية وأما القتال، ولا معني لوصف المجاهدين الذين حملوا راية الإسلام وضحوا في سبيلها في العصر الحاض بأنهم قطاع طريق وطلاب مغنم، تومعرفة نيات الناس ومقاصدهم ليست إلي العباد.

* إن التقدم الحضاري العالمي الذي يدندن حوله لم يمنع العالم شرقة وغربه من التواطؤ علي المسلمين في فلسطين وافغانستان وغيرها وسلب حقوقهم في وضح النهار، أما وثائق حقوق الإنسان فهي حبر علي ورق خاصة حين تكون القضية تتعلق بالأمة الإسلامية.

* ومن الأحكام البارزة في كتابات الغزالي، والتي يظهر فيها تأثره بالمدرسة العقلية أنه يرى ضرورة الوقوف في وجه السلطان إذا عصي أو أخطأ، يقول في كتاب ( مستقبل الإسلام ص 62) تعليقاً علي حديث " من قتل دون ماله فهو شهيد"، ( قال صاحب سبل السلام " علماء الحديث كالمجمعين علي استثناء السلطان للآثار الواردة بالصبر علي جوره فلا يجوز دفاعه عن أخذ المال") انتهي كلام الصنعاني.
ثم يقول الشيخ الغزالي: ( أرأيت إلي إين يتجه الشارع وإلي أين يتجه الشارح، لست أشك أن هذه الشروح دفعت إليها الرهبة الجبانة وأن إرسالها علي هذا النحو خدم الملوك الجورة والسلاطين المستبدين وأتاح لهم فرض ما يشاؤون من ضرائب ومصادرة ما يشأؤون من أملاك دون تهيب مقاومة أو توجس عصيان ورياضة الجماهير علي قبول الضيم بفتوى شرعية، أفقدت الشعوب ملكه الشجاعة في الوقت الذي كانت الأمم الأخرى تصرخ بالدفاع عن الدم والعرض والمال وتشرع الدساتير التي تقرر ذلك).
وفي كتاب ( ليس من الإسلام ص 41) طرح القضية بصورة أكثر واقعية وأكثر اعتدالا، المهم إننا نقول فيما يتعلق بكلام الشيخ:

* يلاحظ قول الشيخ بعدما رجح ضرورة الوقوف في وجه السلطان عند أخذ المال ومقاومته أنه عقب بقوله: ( في الوقت الذي كانت الأمم تصرخ بالدفاع عن الدم والعرض والمال وتشرع الدساتير التي تقرر ذلك). إذا هو ضغط الواقع يلح بانتحال مثل هذه الآراء ورفض ما عداها، وأمر آخر لا أريد أن أتجاوزه، كيف نستطيع أن نوفق بين هذا الموقف النظرى للشيخ وهو يطرح هذا الطرح الحاد ويطلب الوقوف في وجه السلاطين الجورة المستبدين كما يقول وبين مواقف عملية أخرى للشيخ؟، إننا نعلم أن الشيخ كان له مركز كبير في عدد من البلاد منها مصر وكان في موقع كبير في وزراة الأوقاف، والآن له مقام باعتباره عالما من العلماء المعتبرين في دولة مصر وقد أصدر مع مجموعة أخرى من العلماء بيانا في إدانة بعض الشباب المسلم، وهو بيان هللت له الجهات الرسمية، وكان ورقة بيدها، ومن جهة أخرى فإن الشيخ كثيرا ما يشن حملة علي أولئك الشباب الموجودين في مصر وفي بعض البلاد العربية الأخري والذين ينكرون علي حكامهم تطبيق القوانين الوضعية والظلم والجور والاستبداد، وقد يرون استخدام القوة في مواجهتهم. وقد نشرت مجلة الدعوة السعودية في أحد اعدادها الأخيرة خبرا عنوانه " الغزالي يرفض المناظرة" وفحوى هذا الخبر أن رئيس إحدى الجماعات الإسلامية طلب من الغزالي أن يناظره في ميدان عام، فرفض الغزالي المناظرة والخبر علي ذمة المجلة- وقال ما معناه إنه ليس علي استعداد أن يجلس علي طاولة المناظرة مع رجل يؤمن بمبدأ طاولة الاغتيالات، وقال انهم متعجلون.. إلخ، فكيف نستطيع أن نوفق بين هذا وذلك؟ إن موقف الغزالي إما أن يكون منسجما مع ما طرحه نظريا فلا ينتقد أولئك الذين يقومون بهذه الحركات، وإلا فإن عليه أن يغير موقفه النظري في هذه المسألة ليكون منسجما مع مواقفه العملية الواضحة.

* من الاستجابات المكشوفة لضغوط الواقع أن الاشتراكية يوم أطلت علي العالم الإسلامي وتداعي لها الأنصار في عدد من الدول وكانت صيحة ذلك الوقت، وجدت لها موقعاً في فكر عدد من الكتاب أذكر منهم الشيخ " مصطفي السباعي" غفر الله له حيث صنف كتابا سماه ( اشتراكية الإسلام) وأبرز منه الشيخ الغزالي فقد ألف فيها عدة كتب منساقا وراء بريقها يقول في كتاب ( من هنا نعلم ص 182)، ( وقد بسطنا فلسفة الاشتراكية الإسلامية وذكرنا اطرافا من برنامجها الضخم في عدة كتب صدرت ونشرت فصولاً منذ سنين- الإسلام والأوضاع الاقتصادية - الإسلام والمناهج الاشتراكية- الإسلامي المفتري عليه من الشيوعيين والرأسماليين) أ.هـ.

* وفي هذه الكتب دعا الشيخ إلي تقييد الملكية الفردية تقييدا شديدا في حدود المنافع الشخصية في كتاب ( الإسلام والمناهج الاشتراكية ص 97) وأقر المبدأ الاشتراكي الذي يقول " من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته" (ص98)، وقال (ص 183) ( إن الإسلام أخوة في الدين واشتراكية في الدنيا). وأعجب من هذا كله أنه في (ص 91) يقول بالحرف الواحد:
(أما الفكرة الشيوعية في طورها الأخير فتقدم اساسا للتنظيم الاقتصادي يعتبر مغريا للطبقات الضائعة من الناحية النظرية أما الناحية التطبيقية فلم تتح لنا أسباب دراستها حتى يتيسر الحكم عليها).
وبطبيعة الحال يقصد الشيخ الجانب الاقتصادي من الفكرة الشيوعية وإلا فهو قد رد علي الشيوعية في جوانبها الأخري في عديد من كتبه، وفي (ص83) بين إمكانية تحويل التوجيهات الإسلامية العامة في شأن المال إلي قوانين باسم الله ورسوله.

* وفي كتاب ( الإسلام المفتري عليه ص 103) يصرح بأن أبا ذر اشتراكي وأنه استقي نزعته الاشتراكية عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وفي (ص 112) يقول: ( إن عمر اعظم فقيه اشتراكي تولي الحكم). وقل مثل ذلك فيما يتعلق بمبدأ الديمقراطية فإن الشيخ طرحها بقوة وحرارة علي أنها المنهج الصحيح الذي يجب الإلتزام تبه في علاقة الحاكم بالمحكوم، والشيخ يستخدم عبارة ( الشعب مصدر السلطات) ويفسرها بطبيعة الحال، ويقول في (دستور الوحدة ص 209) (بيد أني شعرت بجزع شديد عندما رأيت بعض الناس يصف الديمقراطية بالكفر!) وفي (ص 210) يقول: ( من أجل ذلك شعرت بشيئ من التوقف لما قال الاستاذ" محمد قطب" في ( ج2 من كتاب التربية الإسلامية) " وكل الدعوات الزائفة- التي تلتهم الناس في الجاهلية والشباب بصفة خاصة لا اعتبار لها ولا وزن عند المسلم الذي يتربي علي منهج التربية الإسلامية، والذين يقولون نأخذ من الإسلام كذا ومن الديمقراطية كذا ومن الاشتراكية كذا، ونظل مسلمين يقول الله في أمثالهم (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) الآية- انتهي كلام الشيخ " محمد قطب"-
وأخذ الشيخ الغزالي يستدرك علي هذه الكلمة التي نقلها عن الاستاذ محمد قطب.. وقبل أن اغادر هذه
النقطة ثمت تعليقات يسيرة:
(1) طرح الشيخ البرنامج الاشتراكي بقوة يوم كان صيحة عالمية وأظهر بعد ذلك ما يمكن أن يسمي تراجعا- وهذا ما علي سبيل التسامح والتجاوز- حيث يقول في كتاب ( قذائف الحق ص 124) حيث قال له قائل: إنكم خلطتم الإسلام بالاشتراكية علي نحو لا يرضي اعدادا من المسلمين، فرد الشيخ الغزالي بقوله: ( إننا أرينا الأجيال الناشئة من ديننا ما يغني عن استيراد فلسفات أجنبية شاردة، وأنا شخصياً قد أ:ون تجوزت في العبارات لكن جوهر الموضوع إنصاف رائع لديننا الحنيف)أ.هـ
أقول : وعلي أي حال وحتى لو فرض أن الغزالي تراجع عن بعض أطروحاته الاشتراكية فإن للموضوع دلالته القوية علي تأثر اطروحات الكتاب الإسلامية أو بعضهم بضغوط الواقع وانطلاقهم م منطلق الدفاع وهو منطلق ضعيف ومنهزم أمام الفلسفات الأجنبية الشاردة كما يعبر الشيخ حين يقول : (أرينا الأجيال .. ما يغني عن استيراد فلسفات أجنبية شاردة).

(2) نحن علي يقين بأن الإسلام غني بأحكامه وتشريعاته وغني ايضاً بمصطلحاته الربانية، واستيراد شيئ من ذلك نوع من الهزيمة حتى المصطلح له معناه ودلالته وله ظروفه الخاصة التي نشأ فيها فلا يجوز إسقاطه علي بعض المضامين أو الأحكام الإسلامية، ولا شك أن الاستاذ "محمد قطب"- حفظه الله- كان علي علم واسع بأوضاع العالم وتياراته الفكرية ومع ذلك لم يجد في نفسه ما يدعو إلي استيراد هذه الأشياء والانسياق وراء بريقها الخادع.
-ولعل من الطريف أن يصف الشيخ الإسلام بأنه (اشتراكية) وفي نفس الوقت (ديمقراطية) مع أن الديمقراطية والاشتراكية نقيضان متصارعان في واقعهما السياسي.

مثل آخر فيما يتعلق بآراء الغزالي في المسائل الفرعية وتأثره بالمدرسة العقلية واستجابته لضغوط الواقع، فحين يعرض الغزالي رأية في حل الغناء والموسيقي ويسخر من المخالفين وهم كثير.. كما سيأتي ضمن مناقشة كتاب: السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث- يقول الشيخ (إن أهل القارات لهم غناء يجتمعون عليه فميزوا الخبيث من الطيب ثم دعوا لهم ما يستحبون)، إذا حتى القول بإباحة الغناء و الموسيقي هو أثر من ضغوط انتشار هذه الأشياء وكونها موجودة علي مستوى القارات كلها.

* وأخيراً في مقابلته مع مجلة (الشرق عدد 499) لم يجد الشيخ الشجاعة علي الجزم بتحريم الفائدة الربوية التي اتفق الفقهاء علي تحريمهم، وعرض المسألة علي أنا مسألة خلافية وأن التحريم هو رأي الجمهور فقط، وليس إجماعا، ثم علق المسألة ولم يجزم فيها بشئ، مع أنه سبق أن قال في كتاب( الإسلام والمناهج الاشتراكية ص 118): " نصوص الإسلام متضافرة علي تحريم الربا، وعلي عده منكرا اقتصادياً واجتماعياً غليظ الإثم، ومن الممكن عده جريمة سياسية كذلك.. ولتحريم الربا في الإسلام- بل في كافة الأديان- علل خلقية واجتماعية جدية بأن تعرف..) إلي أن قال: وهو يرد علي الرأسمالية:
( أما محاولة اللعب بالنصوص، وتقديم الفتوى الملائمة، أو الغفلة عن أخطار الرأسمالية .. فذاك مالا جدوى منه قط علي دين الله ودنيا الناس، ولن يزيد العالم إلا خبالا، وسيظل يقوم ويقعد كالذي يتخبطه الشيطان من المس..) فما بال الشيخ يعود ليقدم الفتوى الملائمة، ويقول: إن هناك رأيا آخر أحببت أن أنظر فيه وهو يرى أن العلاقة بين البنك وبين العميل المودع فيه هي علاقة تكوين شركة مضاربة، وهي عمل من طرف ومال من طرف آخر!! ثم يفتي بجواز العمل في البنوك بأنواعها وفي المحاكم الأهلية النظامية التي تحكم بغير ما أنزل الله..إلخ.


خامساً : المسلك الاعتقادي

فيما يتعلق بالمسلك الاعتقادي:   
أوقل هنا لقاء جزئي مع العقلانيين فإنه يقرر في غير موضع أنه مع مذهب السلف- كما سبق وكما في مقابلته مع ( مجلة الدعوة السعودية، والتي عنوانها: أنا سلفي ولكن..إلخ) ولكنه يفسر مذهب السلف بأنه التفويض فيقول في ( مائة سؤال حول الإسلام 2/109): ( ولقد درسنا في الأزهر ونحن طلاب مذهبي السلف والخلف في آيات الصفات أعني التفويض والتأويل).
فاعتبر الشيخ الغزالي أن التفويض هو مذهب السلف، ويقصد بالتفويض أنه لا يتدخل في تأويل الأسماء والصفات، لكنه يجزم بأن ظاهرها غير مراد، ولا شك أن هذا ليس مذهب السلف، بل مذهب السلف إثباتاً علي حقيقتها دون تأويل، مع القطع بأن ظاهرها لا يعني التشبيه.
يقول الشيخ: ( درسنا .. مذهبي السلف والخلف.. وتم ذلك دون تشنج أو توتر أعصاب وقد أخذت رأي السلف لأنه في نظرى أعرف بوظيفة العقل الإنساني وقدراته)أ.هـ
والغريب في الأمر أن الشيخ فسر دعوته إلي تحنيط هذه الخلافات التي جرت بين المسلمين ووضعها في المخازن للذكرى والتاريخ بقوله ( فالنزعة العقلية المعاصرة لا تحب أن تسمع بحثا هل الله عالم بذاته أم بصفة زائدة علي الذات، إن هذا اللون من الفكر أمسي لغوا).
إذا حتى الدعوة إلي رفض هذه الخلافات ونبذها وتحنيطها هي الأخرى متأثرة بالنزعة العقلية المعاصرة.

* وفي المجال العقدي التفصيلي يتنكر الشيخ لمذهب السلف في عدد من الجوانب ويهاجر معتنقية بمرارة وحرارة، واسمع بالتفصيل:
في (هموم داعية ص 110) وقد طرح سؤالا في مسألة العلو والفوقية علو الله علي خلقه قال كلاما أقل ما يقال فيه إنه غامض في مسألة هل يؤمن الشيخ فعلا بأن الله فوق خلقه؟ يعني علو الذات، ثم قال " ( ليس سلفيا من يجهل دعائم الإصلاح ثم يجري هنا وهناك مذكيا الخلاف في قضايا تجاوزها العصر الحاضر ورأي الخوض فيها مضيعة للوقت).
إذا نحن أمام ضغوط العصر الحاضر، ومرة اخرى تطل علينا هذه العقدة!

* وفي ( كيف نفهم الإسلام ص 139) اعتبر الشيخ الغزالي الحوار حول مسألة الأستواء حوارا سخيفا.

* وفي ( السنة النبوية ص 126) ينكر حديث الساق- إثبات الساق لله- ويقول: ( وهذا سياق غامض مضطرب مبهم وجمهور العلماء يرفضه والحديث كله معلول وإلصاقه بالآية خطأ وبعض المرضي بالتجسيم هو الذي يشيع هذه المرويات وإن المسلم الحق ليستحي أن ينسب إلي رسوله هذه المرويات).
وكأن الذين نسبوها وأقروا بها ليسوا مسلمين حقا، إنما المسلم الحق عند الشيخ هو من أنكرها بل من استحيا من نسبتها!

* وحين يتطرق الشيخ إلي عقيدة إثبات القدم لله وهي ثابتة بنصوص صريحة صحيحة يسخر ممن يثبت هذه العقيدة ويقول في كتاب ( سر تأخر العرب والمسلمين ص 55): ( إن سلف الأمة ما تدري شيئا عن هذه الرجل- يعني إثبات الرجل أو القدم لله- ولا سمع داع إلي الإسلام يكلف الناس ان يؤمنوا بها) أ.هـ
ثم أول القدم بأنهم قوم يقدمهم الله إلي النار، وأول الرجل بأنها العدد الكثير من الناس، ومهما يكن من غرابة هذا التأويل فإنه عقب بقوله : ( فأين القدم التي يمشي عليها في السياق المبين؟) وقد نقل سياقا ضعيفا عن أبن مسعود، ثم قال ( إن العقائد لا تخترع ولا تفتعل علي هذا النحو المضحك، عقيدة رجل لله! ما هذا؟!) أ.هـ.
وفي (مائة سؤال 2/111) يكرر السخرية من بعض السطحيين الذين فهموا أن الرجل تعني العضو المعروف!

* وبطبيعة الحال لا أحد يعتقد أن إثبات القدم لله، يعني إثبات العضو المعروف، فهذا من التمثيل المنكر عند كافة المسلمين: بل أهل السنة يثبتون لله القدم كما أثبتها له الرسول صلى الله عليه وسلم دون الدخول في ( تكييف) هذه القدم مع نفي المماثلة كما قال تعالي (ليس كمثله شيئ)، وإثبات القدم لا يختلف قليلاً ولا كثيرا عن إثبات اليد والوجه والعين والصورة لله تبارك وتعالي، فنحن نثبت هذه الأشياء كلها دون أن ندخل في تكييف هذه الأمور أو تمثيل الله تعالي بخلقه.

* وفي (عقيدة المسلم) يتحدث المؤلف عن ثمان صفات لله تعالي فقط دون أن يتعرض لبقيتها، وبعد هذا فلا غرابة أن تجد الشيخ يعود فيثني علي الأشاعرة، ويقول عنهم في (سر تأخر العرب ص 57): (أما الأشاعرة فتنزيهم لله واضح، وثناؤهم علي جميل، وقد اقتصدوا في التأويل، وسلكوا مسلكا وسطا جعل جماهير المسلمين تنضم إليهم من ألف سنة إلي اليوم)أ.هـ

* ثم اعتذر عن تأويلهم : (بأن المتكلمين من سلف وخلف اضطروا إلي التأويل في بعض جمل من الكتاب والسنة توفيقا بينها وبين الآيات الأخرى وتمشيا مع حكم العقل في إثبات الكمال لله ونفي أي إيهام بما لا يليق)أ.هـ

* فهو يثني علي الأشاعرة هذا الثناء، وما أدري ما دام جمهور المسلمين انضم إليهم من ألف سنة إلي اليوم، ما قبل الألف سنة كيف كان الناس؟ لم يكونوا أشاعرة بطبيعة الحال، كانوا علي المذهب الصحيح الذي يقرأ هذه النصوص ويؤمن بها علي ما تدل عليه، دون أن يدخل في تكييف أو تأويل لها، وهذا ما كان عليه الصحابة والتابعون رضي الله عنهم.

* كذلك قوله (إن جمهور المسلمين) أقول ليس بصحيح، فمن الذي أجرى هذه الاحصائية ثم خرج بنتيجة أن جمهور المسلمين أشاعرة؟ صحيح قد يكون كثير من طلاب المعاهد الشرعية في بعض الأمصار أشاعرة، أما جمهور المسلمين فإن كثيرا منهم فيما يتعلق بالأسماء والصفات خاصة أقرب إلي عقيدة السلف، لأنهم لم يدرسوا عقيدة الأشاعرة ولا غيرها فهم يقرأون ويجدون فيه إثبات الوجه واليد والعين والرحمة والغضب، وغيرها من الأسماء والصفات لله عز وجل ويقرأون السنة فيجدون فيها إثبات ذلك، وإثبات الساق والقدم والرضا والفرح والعجب ونحوها.
فيؤمنون بها علي ما هي عليه، وهذه عقيدة السلف وليس من شروط عقيدة السلف أن يتلقنها الإنسان في مدرسة، بل من فهمها بفطرته وآمن وأقر بها دون تحريف ولا تأويل ولا تمثيل فهو سلفي ولو لم يدرس ذلك في كتاب خاص.
وإن كانت الحاجة إلي الكتب شديدة بعد ما جهل الناس القرآن والسنة وكثرت فيهم المقالات المنحرفة.
في (ص63 من الكتاب) يثني علي رسالة التوحيد لـ " محمد عبده".

* ويقول: ( اجتهد الرجل فيها أن يعرض علم العقيدة في ثوب جديد فابتعد عن الجدل، وأبي أن يلمز واحدا من المتكلمين، وعدهم جميعا أخوة يبحثون عن الحق، ثم شرح القضايا الأصلية في ديننا شرحا حسنا وقدم لها خلاصات نقية).
وهنا يظهر شئ من التناقض الحاد في منهج الشيخ يذكرنا بما قاله الشيخ " المودودي" ( رحمة الله عن "محمد إقبال" وهو من أقطاب المدرسة العقلانية- أعني" محمد إقبال" - يقول " المودوى": ( إن كتاباته لا تخلو كلية من المتناقصات) كما ذكرت ذلك الكاتبة الأمريكية المسلمة "مريم جميلة" في كتاب ( الإسلام بين النظرية والتطبيق ص 196).

* بقي السؤال قائما: بالضبط ما هو منهج الشيخ الاعتقادي؟ لا هو أشعري علي طول الطريق، ولا هو سلفي، فماذا يكون إذن؟
الذي اعقده أن الشيخ لا يملك منهجا علميا واضحا في هذه الأمور، وأن هذه الأقول المتفرقة التي سقتها إنما هي (إنفعالات) عاطفية مؤقتة، ولذلك كانت متناقضة، فإن من طبيعة العاطفة التقلب وعدم الثبات أو الاستقرار.
وإن كان الشيخ " أقرب" إلي الأشعرية منه إلي غيرها، ولا يعكر علي هذا نقده للأشاعرة في بعض المواضع.



سادساً : الوحدة الوطنية

من أطروحات العقلانيين ما يسمي بالوحدة الوطنية، والتقارب بين الأديان السماوية ولذلك فإن " محمد عبده" أسس جمعية سياسية سرية دينية في بيروت هدفنا التقريب بين الأديان الثلاثة (الإسلام واليهودية والنصرانية) وقد انتسب إليها بعض المسلمين وبعض الانجليز وبعض اليهود وكان سكرتير هذه الجمعية إرانيا أسمه "ميرزا باقر" فيا نرى ما موقف الغزالي من مسألة التقريب بين الأديان.

* إنه لسوء الحظ هو الآخر موقف مضطرب، في (هموم داعية ص 94) يقول:
(الدعوة إلي أخوة الأديان مشبوهة وواضح أن تلك الدعوات شعارات يقصد بها محاولة صد المسلمين عن دينهم بينما الآخرون جادون في نشر أديانهم والتبشير بها)أ.هـ
وهذا كلام لا غبار عليه، لكنك تجد في موضع آخر كلاما مختلفا ففي ( ظلام من الغرب ص 78) يقول: ( إن اختلاف العرب من مسلمين ونصارى لا يمنع تجمعهم علي إعزاز الأمة العربية ورد العدوان عنها مهما كانت ديانة المهاجم). وفي (ص 80) يقول: ( ولا ريب أن هؤلاء النصاري عرب انقياء، والعربي الصحيح وإن لم يكن مسلما له موقف كريم من إخوته المسلمين، وهو وأن وقف إيمانه بالنبوة إلي عيسي بن مريم فلن يبخص محمد عبدالله حقه بوصفه سيد رجالات العروبة، ومؤسس نهضتها الكبري، والعربي المسيحي له من عروبته خلق الوفاء، وينبغي أن يكون له من دينه حسب العدالة)أ.هـ.
وهو كلام طويل، لكن ذكرت أبرز مافيه.
ما أدري ما معني قول الشيخ: ( إن العربي وإن وقف إيمانه بالنبوة إلي عيسي فلن يبخص محمدا حقه) كيف ما بخس محمدا حقه؟ وأي بخس للحق أكثر من أن يصف صلى الله عليه وسلم محمدا بأنه كذاب، هل تعلمون سبة أعظم من هذه؟
وكذاب علي من؟ علي الله تعالي: هذه عقيدة النصراني- عربيا كان أو غير عربي- في رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ،وهذه مسبة يغضب لها كل مسلم، بل كل منصف يعرف ما كان عليه الرسول المختار صلى الله عليه وسلم من صدق الحديث والمعاملة. ولا ينقضي عجبي حين أقارن موقف الشيخ- هنا- بموقفه المنفعل الثائر ضد جماهير الأمة- القائلين بأن أبوي الرسول صلى الله عليه وسلم في النار! وسيأتي التعليق علي هذا الموقف.

لماذا نغضب هنا، ونحن أمام قضية لا حط فيها من قدره صلى الله عليه وسلم بل فيها رفعة من حيث كونه اخبر بها ولم يكتمها وهي تتعلق بأقرب الناس به نسبا.. ولا نغضب هناك ضد شاتمية ومكذبية؟

* وكذلك في (ص256) يتحدث الشيخ عن المؤتمر الإسلامي المسيحي الذي انعقد بالإسكندرية وقد حضره الشيخ ممثلا عن وزارة الأوقاف حيث طلب منه " أحمد حسن الباقوري" وكان وزيرا للأوقاف حينها أن يمثله في ذلك المؤتمر، وقد ذكر الغزالي أخبار المؤتمر وفصلها في عدد من كتبه، لكن في الكتاب الذي ذكرت (ص 256) يقول: ( إن إيثار السلام العادل الشريف بين الديانتين وأتباعها سيطر علي جل الأعضاء أو عليهم كلهم فيما رأيت) يعني المسلمين والنصاري.

* وحول هدف المؤتمر يشير إلي أنه انعقد لوضع اسس أفضل للعلاقة بين الدينين وجعل المستقبل أدني للتفاهم والموادة بعد ماض اثقلته الخصومة وسودته الإحن) وأنظر ( حصاد الغرور 162-163) وكأن خير رد علي هذه المحاولات مؤامرات النصاري الأقباط للسيطرة علي الدولة، وقد تحدث الغزالي في كتاب ( قذائف الحق) عن هذه المحاولات التي يتزعمها "البابا شنوده" ثم قال : ( وقد كنت أريد أن اتجاهل ما صنع الأخ العزيز "شنودة" الرئيس الديني لإخواننا الأقباط غير أني وجدت عددا من توجيهاته قد أخذ طريقه إلي الحياة العملية) (ص64).

وفي كتاب ( ظلام من الغرب) تحدث عن مؤتمرا الخريجين الذي يعقده النصاري لخرجي الجامعات الأمريكية في الشرق وكشف عن دعوة هذا المؤتمر المناهضة للإسلام وتعصبه النصراني الأعمي وذلك في (ص83-93).
كما تحدث عن دسائس الاستعمار الغربي منذ قرون.

* ومن أخطر ما كتبه الغزالي ما جاء في كتاب ( الإسلام المفتري عليه) تحت عنوان "دعائم الأخوة العامة" فقد دعا إلي أعتبار الإنسانية كلها أسرة متشابكة الأجزاء متكافلة الأعضاء وإلي الإحساس بأن البشرية أسرة واحدة لا تترك أحدا من أبنائها يجوع ويعري أو أحدا من شعوبها يضل ويخزي.
يقول: ( والأخوة والمطلقة حقيقة لا معدى عن المناداة بها وحشر الناس تحت لوائها).
ولا مانع أن نلتمس للشيخ عذرا فنقول إن النص الذي قال فيه ( إن وحدة الأديان مشبوهة) نص متأخر فلعله يدل علي تراجع الشيخ بعدما رأي مؤامرات اليهود والنصاري الدؤوبة في حرب الإسلام، وإن كان الاضطراب والتناقض في فكر الشيخ ليس مقصورا علي هذه المسألة.
وعلي كل حال فنحن نعلم أن نصوص القرآن نصب علي أخوة المؤمنين وموالاتهم وموادة بعضهم لبعض ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) ( إنما المؤمنون إخوة). ( إنما وليكم الله ورسوله والذين أمنوا).

وبينت بغض الكافرين وعداوتهم حتى يؤمنوا بالله وحده ( يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا اليود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض) وذكر الله إبراهيم عليه السلام ومن معه ( إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء ابداء حتى تؤمنوا بالله وحده).
ولا أجدني بحاجة إلي التعليق بعد هذه النصوص الواضحة ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الأخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم). كما نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أن يخاطب أهل الكتاب بالدعوة إلي كلمة سواء أن يؤمنوا بالله ورسوله ولا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، ولم يؤمر بالتقريب بينهم ولم يعقد صلى الله عليه وسلم مؤتمرا للتقرب مع اليهود أو النصاري ولا لإقامة أسس جديدة للتعاون والتفاهم وإزالة الاحقاد والعداوات والإحن، كما أنه صلى الله عليه وسلم لم يسع إلي تكوين نهضة قومية عربية يجتمع فيها المسلم العربي إلي جوار الوطني العربي إلي جوار النصراني العربي، بل لقد بدأ صلى الله عليه وسلم بحرب العرب المشركين قبل غيرهم، كما أن تجارب التاريخ كلها ومنها ما ذكره الغزالي تؤكد أن هذه ألعوبة وألهية يخادع اليهود والنصاري بها المسلمين لشغلهم عن العمل الجاد، وما جهود المنصرين الهائلة لاكتساح افريقيا واندونيسيا ومصر بخافية علي أحد.

* في نهاية هذا العرض نستطيع أن نقول إن الشيخ الغزالي متأثر بالمدرسة العقلانية المعاصرة في الكثير من آرائه العقدية والتشريعية والإصلاحية، ولا غرابة في ذلك فعدد من شيوخه اللامعين هم من رجالات هذه المدرسة وذلك " كمحمد أبي زهرة" و " محمود شلتوت" و " محمد البهي" وغيرهم.
وهذا لا يعني بطبيعة الحال أنه ينسجم مع جميع آرائهم ومناهجهم فإن من طبيعة المدرسة العقلانية انها تمنح مجالا واسعا رحبا للاجتهاد والخلاف وتباين وجهات النظر، ولذلك يوجد تفاوت كبير بين رجالاتها.

* ومما يدركه القارئ العادي لكتب الغزالي أن الرجل يملك اسلوبا خطابياً عاطفيا اكثر مما يملك فكرا علميا وفقهيا مؤهلا متماسكا، ولعل هذا أثر من آثار عمله الطويل في الوعظ، ولذلك برز التناقض في آرائه ومواقفه بشكل ملفت يجعل من الصعب علي القارئ أن يحدد ملامح فكر الشيخ بدقة، وكأن الذي يبحث عن منهج واضح للشيخ يبحث عن شئ غير موجود.

الصفحة التالية   الصفحة السابقة

ملاحظات هامة لحفظ الملفات
قم بالتأشير على الزر الأيمن للفأرة أمام الرابط واختر حفظ باسم

يفضل التصفح بمايكروسوفت إكسبلورر 5 وشاشة 800*600

حقوق الطبع لكل مسلم ولا يجوز استخدام هذه المواد في أي صورة تجارية