بسم الله
الرحمن الرحيم
تمهيد :
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من
يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً
عبده ورسوله أما بعد:
* فإن مصطلح " الفكر الإسلامي" يطلق علي ذلك
الفكر الجوّاب في أنحاء الحياة المختلفة، والذي
يحاول إيضاح هدى الإسلام في شتى شئون الحياة
ومجالاتها السياسية، والاقتصادية، والعلمية
والاجتماعية والنفسية والفنية.. وغيرها.
وهو إنتاج غزير ثري متنوع، وثمت علماء ومفكرون كثر
لهم قدم راسخة في ميدان الدعوة والإصلاح.
* ومن أبرز هؤلاء العلماء ( الشيخ محمد رشيد رضا وهو
صاحب المنار، ثم الشيخ حسن البنا- والمودودي -
والندوي- وآل قطب- ومحمد البهي- ومحمد المبارك-
والسباعي- والشيخ عبد الرحمن الدوسري.. وغيرهم كثير
كثير).
* وهذا الإنتاج الثر الغزير يحتاج إلي غربلة وتصحيح
إذ أنه نتاج العقل والنظر، وليس وحياً لا يأتيه
الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والفكر لا يقف عند
حد معين لا يتعداه، لا يقف عند هذا الحد إلا حين
تتعطل العقول وتضعف المدارك، فيصبح هم القارئ هو
التلقي والتسليم دون جدل أو مناقشة.
ومن المفكرين المعاصرين المكثرين في مجال التأليف،
والكتابة الشيخ/ محمد الغزالي، الداعية المعروف.
* ولعل من المناسب أن أعرض جوانب بسيطة وسريعة من
حياة هذا الرجل، فقد ولد سنة 1917م في قرية اسمها
(نكلا العنب) بمحافظة البحيرة من مصر وتلك القرية هي
القرية نفسها التي ولد فيها الشيخ/ سليم البشري،
شيخ الأزهر والشيخ/ محمد عبده، والشيخ/ محمود
شلتوت، وهو أحد مشايخ الغزالي وكذلك محمد البهي.
ومعنى ذلك أن عمر الغزالي يقارب (72) سنة الآن، وقد
التحق بكلية أصول الدين بعدما تخرج من المعهد
الديني في جامعة الأزهر وتخصص بالدعوة، وحصل علي
درجة التخصص في التدريس وهي تعادل درجة الماجستير
وذلك من كلية اللغة العربية.
* قضى نحو نصف قرن بين الإمامة والخطابة والتدريس في
مساجد وزارة الأوقاف المصرية، وتولي إدارة المساجد
وإدارة الدعوة بوزارة الأوقاف نفسها، وقام الشيخ
بالتدريس في عدد تمن جامعات العالم الإسلامي- بدءا
بجامعة الأزهر ثم جامعة الملك عبد العزيز وجامعة أم
القرى، وكذل جامعة قطر. وأخيراً تولي منصب مدير
جامعة الأمير عبد القادر الإسلامية بالجزائر، ثم
حدثت له أزمة صحية اضطرته إلي الراحة ومن ثم ترك
الجامعة.
* شهد مؤتمرات كثيرة وألف عدداً كبيرا من الكتب
يقارب الخمسين كتاباً من أشهرها:
خلق المسلم - عقيدة المسلم- فقه السيرة- ظلام من
الغرب- من معالم الحق- كيف نفهم الإسلام- مع الله -
معركة المصحف- الجانب العاطفي من الإسلام- دفاع عن
العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين- ركائز
الإيمان- قذائف الحق- الدعوة الإسلامية تستقبل
قرنها الخامس عشر الهجري- دستور الوحدة الثقافية
بين المسلمين- مشكلات في طريق الحياة الإسلامية -
هموم داعية - مائة سؤال حول الإسلام- مستقبل الإسلام
خارج أرضه وكيف نفكر فيه؟ قصة حياة - وأخيرا ( السنة
النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث).
* هذا الكتاب - السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل
الحديث- أثار ضجة كبيرة ودويا في الأوساط الصحفية،
وقد حاز الشيخ علي جائزة الملك فيصل العالمية في
مجال خدمة الإسلام، وقامت كثير من الصحف بمقابلته
والحديث عنه والحديث عن مؤلفاته في مصر والسعودية
وغيرها..
ومن هذه المجلات والصحف - اليمامة وجريدة الشرق
الأوسط وجريدة المسلمون وزهرة الخليج ومجلة الدعوة
السعودية، والمجتمع، والشرق السعودية، والأهرام،
وغيرها كثير.
* وأبرز القضايا التي يعالجها الشيخ في كتاباته
ودروسه تتحدث عن مجموعة موضوعات مهمة منها:
* الدفاع عن قضايا الإسلام ضد خصومه من المستشرقين
والمستغربين ودحض مزاعمهم ضد شريعة الإسلام.
* ومنها عرض الجوانب الاقتصادية والسياسية
والاجتماعية والخلقية والعقدية للإسلام كما
يفهمها
المترجم.
* ومنها العناية بمسألة إيصال الإسلام إلي البشرية
كلها شرقها وغربها، والعمل علي تحقيق مكاسب للدعوة
الإسلامية في أوروبا وأمريكا وغيرها من بلاد
العالم، وهذا هم كبير يسيطر علي المؤلف ويؤثر في
كثير من آرائه وتوجهاته.
* ومنها معالجة أمراض المسلمين المزمنة أو كما
يسمونه ( النقد الذاتي) بما في ذلك أمراض الدعاة
وذلك بأسلوب ساخر يجعلك تشعر بمدى الانفعال الذي
يحمله الشيخ وهو يطلق كلماته وسهامه هنا وهناك، وقد
يعبر عن ذلك من خلال طرفة أو نكتة يرويها ويرى أنها
مفيدة!.
* ومن الموضوعات التي يطرقها موضوع الوحدة
الإسلامية وإزالة العقبات التي تعترض طريقها.
* وقبل الدخول في الموضوع أشير إلي سؤال يطرح كثيرا:
لماذا المراجعة؟ لماذا نراجع كتب الفكر الإسلامي؟
وفي رأيي ونظري أن هذه المراجعة مهمة
جداً، مهمة حتى نتربي علي القراءة الناقدة البصيرة
فلا نرفض أو نقبل إلا بعد تأمل ونظر فإننا نجد كثيرا
من القراء تعودوا علي أحد أمرين:
*1* إما أن يقبل بدون نظر ولا تأمل، ( حسب الثقة)
*2* أو يرد أيضا بدون نظر ولا تأمل.
فمنهم من إذا أعجب بشخص أو مؤلف أو كاتب أو عالم
فإنه يعتبر نفسه كالميت بين يدي مغسله ليس له رأي
ولا نظر ولا اختيار، فيقبل منه ما جاء به دون نظر أو
مراجعة.
وعلي النقيض من ذلك تجد طائفة من القراء إذا صار
عنده توقف في شخص أو عدم قناعة في فكره فإنه يرفض كل
ما جاء به حتى لو كان ما جاء به هذا المؤلف أو الكاتب
حقا.
"وكلا طرفي قصد الأمور ذميم"
* والواقع أن القارئ ينبغي أن يعود نفسه علي القراءة
الناقدة البصيرة، فلا يرفض ولا يقبل إلا بعد تأمل
ونظر ودراسة، ومثل هذه المراجعات تربي القارئ
تربية عملية واقعية علي طريقة التعامل مع هذه الكتب
وما فيها من أفكار وآراء، كذلك فإن المراجعة-
بالذات- للشيخ الغزالي أمر طبيعي، لأنه هو نفسه
يؤمن- ولو نظريا علي الأقل- بالحوار الهادئ الهادف،
ويرفض التقليد الأعمي حتى للمجتهدين الكبار
القدامي، وقد كتب في كتبه نقدا لهذا التقليد. وفي
حواره مع مجلة الشرق قال - إنه يدعو إلي سعة الأفق
العلمي وسعة الأفق الخلقي..
فأما سعة الأفق العلمي فهي تجعل القارئ والمتلقي
قادراً علي مناقشة هذه الآراء وأخذ ما يناسب منها
وترك ما هو ضد ذلك برحابه صدر وسعة أفق، وأما سعة
الأفق الخلقي فهي تضمن للمخالف أن يحترم مخالفة في
الرأي فلا تطيش سهامه، فينتقصه أو يحط من قدره أو
يرميه بتهم لا يملك دليلا عليها، بل يحفظ له قدره
وكرامته وإن خالفه في الرأي ما دامت المسألة مسألة
رأي واجتهاد، ولذلك فإن من الوفاء لهذا المنهج
الشرعي الصحيح أن تناقش الآراء وفق مسلك صائب.
* ومن هذا المنطلق جاءت هذه ( المراجعات للفكر
الإسلامي المعاصر) وكان هذا (الحوار الهادئ مع محمد
الغزالي).
إن بعضهم يقول: لماذا الغزالي بالذات؟ كل إنسان له
اخطاء.. والغزالي فعل وفعل .. وآخر يقول : لماذا هو
الهدوء في المناقشة؟ لقد اعطيت الغزالي فوق ما
يستحق.
وأقول : لا شك أن كل ابن ادم خطاء، وللغزالي جهود
مشكورة أشرت إليها، وأسأل الله أن يعامله بفضله،
ويعفو عنا وعنه.
* ولا شك أن الغزالي - أيضاً- قال كلاما شديدا جارحا
مثيرا للغضب والانفعال، وتكلم في مسائل عديدة بما
يخالف الرأي المستقر لدي الأمة كلها أو جلها.
ولكني آثرت النبرة الهادئة- قدر المستطاع- و حاولت
البعد عن مقابلة الخطأ بمثله،وفي ظني أن المهم هو
قوة الحجة، وليس المهم هو الضجيج والصياح( فأما
الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في
الأرض).
وإنني أرحب بكل ملاحظة أو نقد، يصدر عن روية ونظر،
وليس عن تعصب أو هوى أو إنفعال.
والله الهادي إلي سواء السبيل.
المؤلف
القصيم - بريدة - ص.ب2782
5/11/1409هـ
|