دور الأخلاق في تنمية عدد السكان

أمَا كان الأجدر بالدول الإسلامية أن تجعل من نفسها كتلة واحدة تستغني عن الأجانب المسيطرين حالياً على جوِّها وأرضها وبحرها وقرارها السياسي؛ بكسر الحدود بينها وتوفير فرص العمل لمواطنيها وتوحيد جيشها للدفاع عن خيرات بلادها وحماية مكتسباتها؟

  • التصنيفات: أخلاق إسلامية -

أمَا كان الأجدر بالدول الإسلامية أن تجعل من نفسها كتلة واحدة تستغني عن الأجانب المسيطرين حالياً على جوِّها وأرضها وبحرها وقرارها السياسي؛ بكسر الحدود بينها وتوفير فرص العمل لمواطنيها وتوحيد جيشها للدفاع عن خيرات بلادها وحماية مكتسباتها؟

ألم يكن من الأصوب أن يأكل فقيرُها من مال غنيِّها بالمعروف، ويدافع قويُّها عن حرمات ضعيفها، ويتقوَّى بعضها ببعض على الأجانب الكائدين؟

ألم تكن مصلحتها في أن تصبح بتكتُّلها أمة كثيرة العدد مهابة الجانب قوية الشوكة؟

المقال التالي يعالج هذه المسألة من الناحية الشرعية.

قلة عدد السكان ضعف:

هل قمتَ يوماً بزيارة دولة صغيرة المساحة وقليلة عدد السكان مع غنى فاحش يفوق حاجتها؟

أعتقد أنك قد شاهدت أجانب كُثراً يمسكون بزمام أمورها؛ بدايةً من الخبراء والفنيين والقادة، ونهايةً بوظائف الخدمة المدنية والمهن الحقيرة، حتى تحوّل البلد من دولة عربية إسلامية تاريخاً وأصلاً إلى ما يشبه مستعمرة أعجمية سكانها سيخ وهندوس وملحدون ووثنيون من الأمريكان والصينيين واليابانيين... إلخ، وبهذا أصبح يمثِّل الأجانب غير المسلمين فيها السوادَ الأعظم حتى لا تكاد تجد المواطِنَ الأصليَّ إلا بصعوبة وندرة وقد تعجَّم لسانه وتفسَّخت أخلاقه وارتبطت حياته بوجود الخليط المستجلب لخدمته في كل المرافق؛ إلى درجة أصبح من المستحيل أن تستمر عجلة الحياة دون تأثير هؤلاء الأجانب في الوقت الذي تغلق فيه الباب في وجه المسلمين من غيرها من الباحثين عن العمل لديها.

إن بلداً مثل هذا -وهو اليوم كثير- غير قابل للحياة الطبيعية؛ وذلك بسبب قلة عدد سكانه، وإن كثر ماله وتنوّعت موارده؛ فهو مضطر للاحتماء بالأجنبي في كل أموره؛ وبهذا فَقَد قراره وشخصيته ويحيا تحت رحمة المستعمرين مرتهَناً لهم، ولا يمكن أن تعود إليه العافية إلا بالسعي إلى مزيد من المعالجات التي تؤدي إلى كثرة عدد السكان عبر الطرق المشروعة؛ بهدف التحرُّر من الوجود الأجنبي بعد التقلُّل منه والتقوِّي بمن يجانسه عقيدةً ولغةً وجنساً.

وإن البلد الآخر الذي يأكل بعضه بعضاً في حروب أهلية وطائفية تُغذَّى بكيد وتدبير من الأجنبي غير قادر على الحياة كذلك دون الاحتماء به والتقوي بالغريب على القريب؛ إنه بلد يتناقص عدد سكانه يوماً بعد يوم بفعل الحرب فهو غير قادر على الحياة ولا على النماء؛ وذلك بسبب سوء أخلاق مواطنيه، فأخلاق المواطن هي التي تدفع إلى حماية عدد السكان وتناميه، وهي التي تدفع إلى التعاون مع القريب ضد الغريب، وبدون هذه الأخلاق سوف يظل عدد سكان الدول الإسلامية قليلاً وإن كَثُرَ، وضعيفاً وإن قوي، وفقيراً وإن غَنِي، ومهزوماً وإن كان يملك أسباب القوة والانتصار.

فاعل التنمية السكانية:

إن من بدهيات الأمور أن يكون الإنسان (المواطن) هو فاعل التنمية الحقيقية لوطنه استثماراً لكنوزه وتسخيرها لمصلحة الأمة في كل مجالاتها: تربيةً وتعليماً وصحةً وغذاءً وتعميراً وبناءً ونماءً ورخاءً وطمأنينةً وأمناً. ولهذا الإنسان سخّر اللهُ الكونَ بأرضه وسمائه وهوائه ومائه وحيواناته ونباته ومادته ومعادنه.

وبقدر كثرة الإمكانات الموفورة على هذا الكون شرع الله لهذا الإنسان أن يتكاثر إلى درجة يصبح التكاثر الإيجابي في حقه خُلُقاً إيجابياً تُبْنَى عليه أخلاق أخرى إنمائية للوطن؛ ولهذا كانت تنمية الإنسان أهمَّ عامل لتنمية الوطن؛ ولهذا شرع أن يكون من خُلُق الإنسان العمل على تنمية الأمة من حيث العددُ والفكرُ والأخلاقُ.

وإذا كان السبيل إلى تنمية الفكر هو التعليم والتربية؛ فإن السبيل إلى تنمية النوع هو الزواج الشرعي (بعد سدِّ أبواب الفجور) أو التكتلات الجمعية، وبهذين الأمرين تكاثرَ عدد سكان الدولة الإسلامية الأُولَى حتى كان أحدهم لا يحمل هماً للزواج؛ إذ كان بمقدوره أن يصطحب زوجة من المسجد بما معه من القرآن أو بالتمسك بتوجيه "أقلهنَّ مهراً أكثرهنَّ بركة".

من ناحية أخرى؛ كان تكاثر دولة الإسلام الأُولَى بالفتوحات التي توسعت إليها عبر الجهاد، فتكتَّل مع الفاتحين مواطنوا كل المواقع المفتوحة حتى كوَّنوا أمة كثيرة العدد استوعبت كل الألوان واللغات والعادات والبيئات.

وبهذين السبيلين يمكن تكثير سواد الأمة؛ لأنه من غير الجائز أن تفتح مصانعَ لاستكثار النوع الإنساني مثل المصانع التي فتحت لصناعة البيض أو بقية المأكولات؛ لأن الله يريد بقاء الإنسان خليفة مكرَّماً يقوم بدور عمارة الأرض بتعاونٍ بنَّاء يرتبط على أساس الحب والتراحم والتعاطف والتكاتف ومؤسس على هيكلة اجتماعية متينة تبدأ من الأم والأب، فالأسرة والعشيرة والقبيلة والأمة. والزواج الشرعي هو السبيل الأوحد لتكاثر هذا الإنسان تكاثراً إيجابياً.

سنة الزواج ودورها في تنمية عدد السكان:

بناءً على ذلك؛ تبدأ تنمية المواطنين عدداً من إقبال شباب الأمة على الزواج الشرعي؛ امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فَلْيتزوج؛ فإنه أغضُّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (أخرجه البخاري ومسلم).

وللزواج مقاصد واضحة، منها:

1 - تحصين الشباب وإشباع رغباتهم الجنسية.

2 - دَرْءُ مخاطر الزنى التي تنتشر عادةً عند العزوف عن الزواج الشرعي.

3 - القضاء على ظاهرة العنوسة التي ضربت بأطنابها في المجتمعات؛ بسبب غلاء المهور، والتهرُّب من المسؤولية، وانتشار الفساد.

4 - الإبقاء على العمل الصالح؛ فإن الوالد الذي يترك ولداً مربياً وبنتاً مربية قد نجح في بقاء عَقِبه الصالح حاملاً راية الخلافة ومهمة عمارة الوطن.

دَوْر الإنجاب في كثرة عدد السكان:

فإن كان ما سبق ذكره من مقاصد الزواج الشرعي، فإنه من غير المنكور أن يكون من مقاصد الزواج الشرعي كذلك: تنمية سكان الوطن من حيث العددُ؛ لأن كثرة عدد السكان هدف تسعى الشريعة إلى تحقيقه، فقد حضَّ الشرع الإنسان على أن يكون من مهامه الأخلاقية السامية تكثير سواد الأمة، وقد عيّب على الإنسان الذي يتجرَّد من هذا الخُلق المساهم في التنمية البشرية.

علماً أن الكثرة المطلوبة هنا ليست مقيدة بالصلاح ولا بقدر معيَّن من التعليم أو الصفات الحميدة؛ بقدر ما هي كثرة عددية مع وجود التوحيد والتخلُّق بأهمِّ أركان الدين؛ لأن كل مواطن يمكنه أن يساهم بقَدْر إيجابي لتنمية الوطن متى ما تهيَّأت له الظروف؛ فليس في الإسلام إنسان لا دور له. فمن لم يكن قدوة في العلم والتقوى قد يكون قدوة في الشجاعة والإقدام، ومن كان ضعيف البنية قد يكون قوي الفكر والرأي؛ ولهذا عدَّ الإسلام من المكاسب العظيمة كثرة عدد الأمة؛ كما تدلُّ عليه نصوص الشرع؛ فمرة يأتي النهي النبوي عن كل أمر يؤدي إلى الإعراض عن اتخاذ أسباب تكثير سواد الأمة من الزواج؛ حتى لو كان الإعراض ناتجاً عن حرص صاحبه على التفرُّغ للعبادة والتقوى؛ كما دلَّ عليه حديث الثلاثة الذين أنكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عزموا على فعله من التفرُّغ للعبادة تفرُّغاً تاماً يشغلهم عن بقية الواجبات: «لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء؛ فمن رغِبَ عن سنتي فليس مني» (متفق عليه).

ومرة يأتي التوجيه النبوي داعياً المواطنين إلى أن يكون من أخلاقهم المساهمةُ في تكثير عدد السكان؛ بالإقبال على الزواج الشرعي وبترك التبتُّل، وأن يقع اختيارهم على الزوجة التي تتصف بصفتين مهمتين تنموياً «الوَدود الوَلود»، فالصفة الأُولَى توثق العلاقة بين الزوج والزوجة وتعمل على إدامة الرباط بينهما إدامة كافية لتحقيق هدف (المساهمة في تكثير عدد السكان) الذي تسعى إلى أن تحقِّقه الصفة الأخرى «الوَلود»؛ كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في ما رواه عنه أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالباءة، ونهى عن التبتُّل نهياً شديداً، ويقول: «تزوَّجوا الوَدود الوَلود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة» (أخرجه ابن حبان وصححه).

ويؤيده في مشروعية السعي إلى تكثير عدد السكان ما رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «انكحوا أمهات الأولاد فإني أباهي بكم يوم القيامة» (أخرجه الإمام أحمد).

ومرة ثالثة يأتي حرص الشرع على تكثير عدد السكان بصورة تنهى المواطن القادر على الإنجاب والخالي من الأعذار الشرعية أن يتجه إلى زوجة لا يتحقق معها هدف تنمية عدد السكان؛ كما يفيده الحديث الذي رواه معقل بن يسار رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أصبت امرأة ذات حَسَبٍ وجمال لكنها لا تلد فأتزوجها؟ قال: «لا». ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: «تزوَّجوا الوَدود الوَلود فإني مكاثر بكم» (أخرجه أبو داود والنسائي).

قال الشوكاني في (نيل الأوطار): "الأحاديث بمجموعها ترتقي إلى درجة الصحة وتصلح للاحتجاج بها".

بدا ظاهراً مما تقدم كيف أن الإسلام يوجِّه الأمة إلى أن تساهم في كثرة عددها عبر أخلاق أفرادها التي يلزم المسلم بموجبها السعي والتحرِّي اللازم للحصول على الزوجة الوَدود الوَلود؛ سعياً منه في تكثير سواد الأمة.

التباهي بكثرة عدد السكان:

وإن لهذه الكثرة مقصداً أُخروياً وهو التباهي بها يوم القيامة عندما يأتي الأنبياء مع أقوامهم، فإنه -بلا شك- لا أحد يرغب أن يكون أنصاره قلة في الدنيا وقلة في الآخرة؛ خاصة أن كثرة الأنصار يوم القيامة مقياس بيِّن لنجاح الرسول صلى الله عليه وسلم في إنقاذ عدد كبير من النار، ودليل واضح على فضله على أمته وعلى رفع منزلته؛ بناءً على ما له من الأجر الكبير بسبب كثرة الأتباع الذين دلَّهم على الخير؛ فله مثل أجورهم لا ينقص من أجورهم شيء.

وعلى اعتبار كثرة الأتباع عدداً وعلى الاعتداد بها جاء قوله صلى الله عليه وسلم: «أنا أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة» (أخرجه مسلم).

ومثله الحديث الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم مقارناً بين أتباعه وأتباع الأنبياء الآخرين: «أنا أول شفيع في الجنة، لم يصدَّق نبي من الأنبياء ما صُدِّقت، وإن من الأنبياء نبياً ما يصدِّقه من أمته إلا رجل واحد» (أخرجه مسلم).

ويؤيِّده حديث آخر: «عُرضَت عليَّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رُفِعَ لي سواد عظيم فظننتُ أنهم أمتي فقيل لي: هذا موسى صلى الله عليه وسلم وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرتُ فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حسابٍ ولا عذاب» (أخرجه البخاري).

من فوائد الكثرة العددية تنموياً:

الأحاديث السابقة ذكرت الموقف الإيجابي لكثرة الأمة يوم القيامة؛ إلا أنه لم يكن المقصد الأخروي من كثرة عدد المسلمين وحده هو المقصود؛ وإنما هناك مقاصد دنيوية تحققها الكثرة، ومن ذلك: المقصد التنموي: فغير خافٍ رجحان ما يحققه عدد كبير في زراعة بستان -مثلاً- على ما يحققه عدد قليل، فإن الوطن الذي يقطنه مليون شخص ويعملون لبنائه وتعميره؛ أفضل من الوطن الذي يقطنه ألف شخص فقط، وإن الوطن الذي يبلغ عدد سكانه أكثر من مليار نسمة؛ مُهَابٌ أكثر من الوطن الذي يعد سكانه بالآلاف فقط، أو حتى بعشرات الملايين، وإن الوطن الذي يصدِّر الأيدي العاملة الزائدة عن حاجته إلى الدول الأخرى؛ أفضل تنموياً من الوطن الذي يستورد الأيدي العاملة إلى درجة تطغى فيها الجالية الأجنبية على المواطنين؛ حيث تفرض عاداتها وتقاليدها ولغتها وربما دينها.

وكم من المخاطر يمكن أن تُجلَب إلى الوطن عبر العمالة الوافدة؟ وعلى سبيل المثال: إذا قام العمَّال الأجانب بإضراب عن العمل في بلدٍ هم السواد الأعظم فيه؛ فماذا يبقى للمواطنين من حيلة وهم مأسورون للأجانب في طعامهم وشرابهم وخيرات بلادهم؟

وإن الأمة الكثيرة التي يتباهى بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة لن يكون لها تفسير إيجابي غير أن تكون هي الأمة التي اقتدت به وبأصحابه الطاهرين في تنمية الأوطان: بناءً وتعميراً وتربية وتعليماً وجهاداً وتضحية وحماية ودفاعاً.

أمة عملت في تنمية عددها وتنمية فكرها وإيمانها وتنمية أوطانها فأصبحت بموجب جهدها التنموي كثيرة في عددها، غنية في مالها، واسعة في رقعتها الجغرافية، عظيمة في سلطانها، مهابة في جلالها.

ولن يكون من أتباعه صلى الله عليه وسلم المُتباهَى بهم يوم القيامة من لم يكن مقتدياً به في الدنيا؛ بالسعي إلى تنمية السكان من حيث العددُ والدينُ والأخلاقُ، وإلى تنمية الأوطان من حيث استثمارُ خيراته وحمايتُها وحسنُ توزيعها بيد سكانه (حكومة وشعباً).

كثرة عاملة:

إن كثرة عدد السكان هدف نبيل يلزم أن تسعى إليه الدول الإسلامية دون خوف من ضائقة اقتصادية ولا انفجار سكاني؛ لأن كل مولود يُولَد برزقه، ولن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها؛ فالواجب على المسلمين السعي في سبيل كثرة عددهم من أجل تنمية أوطانهم؛ لأن الوطن الذي تتعاون فيه أيدي المواطنين الكثيرة يزداد رقياً وتقدُّماً يوماً بعد يوم؛ حيث يُوظَّف في كل مهنة شخص من بين أبنائه ولا يحتاج إلى استيراد أجانب يتركون آثاراً سلبية عقدية وخُلقية واقتصادية وأمنية على البلاد؛ فمن أعلى الوظائف إلى أدناها يمكن أن تسند إلى المواطنين إذا كانت الأمة كثيرة في عددها؛ لأنها تجد للمتعلِّمين وظائفهم وللجاهلين كذلك، وللشجعان وظائفهم وللجبناء كذلك، وللأذكياء وظائفهم ولغيرهم كذلك، وللأقوياء وظائفهم وللضعفاء كذلك، وعندها لكل أصحاب المهن وظائف خاصة بهم، وبهذا يستوعب الوطن جميع مواطنيه دون الحاجة إلى جَلْب عمالة خارجية، بخلاف الوطن الذي يجد المالَ ويعاني من قلة المواطنين؛ فإن هذا الوطن مدعاة إلى أن يكون مرتهناً تحت رحمة خدَّامه المجتلبين من الخارج الذين يُؤتَى بهم لملء المهن الفائضة حتى لو كانت مهناً غير مرغوبة؛ كالحلاقة والغسالة والنظافة والسواقة والطباخة.

فإن كثرة الأجانب المجتلبين تحت عباءة هذه المهن قد تجلب معها غزواً خارجياً يوماً مَّا؛ يبدأ بالغزو الأخلاقي والاقتصادي والعقدي ثم يأتي الغزو السياسي والعسكري الخارجي مدعوماً بجيش من الخدم والعمَّال الذين مهَّدوا له الطريق إلى جانب جمع من العملاء المحليين الذين يمكن تجنيدهم لصالح الأجنبي عبر الوسائط التي يفتقر إلى خدمتها الوطن الضعيف سكاناً.

ولا مخرج من هذا المأزق إلا بوجود كثرة من المواطنين الذين بإمكانهم القيام بكل ما يحتاج إليه وطنهم؛ لأن كثرتهم مظنَّة تفاوُتِ مهاراتهم وتنوُّعِ مواهبهم وتباينِ درجاتهم (العلمية والاجتماعية).

بخلاف قلة سكان البلاد؛ فإن كانوا أغنياء أصبحوا قبيلة مترفة لا تقوى على خدمة نفسها وحماية وطنها، وإن كانوا فقراء عجزوا عن استثمار ما في أرضهم من خيرات، وربما أتى إليهم عدو من غيرهم فأبقاهم أبد الدهر على الفقر.

وأمثلة هذا النوع في إفريقيا كثيرة؛ فكم هي الدول الإفريقية الفقيرة المتقاتلة -وإن كانت غنية بمواردها الطبيعية- ترزح تحت استعمار فرنسي مسيطر على أرضها وسمائها ويدعم دوماً أسباب ضعفها.

كما أن أمثلة النوع الأول في دول الخليج العربي كثيرة معلومة؛ فكم هي الدول التي لا تستطيع أن تعيش يوماً واحداً دون وجود الأجنبي في كل مرافقها.

كثرة مدافعة:

وكلما كان الوطن كثير عدد السكان كان قادراً على ردع العدوان الخارجي، وكان أقدر على حماية مكاسبه: من تاريخ وحضارة وتقاليد وثروات، بخلاف الوطن قليل عدد السكان؛ فإنه معرَّض لكل المخاطر من الأقوياء الطامعين وربما رمى بنفسه هرباً من عدو غازٍ إلى عدو آخر ماكر كائد، فلا يمكن أن يبقى إلا مرتَهناً تحت رحمة المستعمرين.

ولهذا يتوجب على الأمة أن تسعى إلى تكثير عدد سكانها؛ بهدف استثمار خيرات وطنها، وبهدف أن تكون قوية قادرة على الدفاع عن نفسها وحماية مصالحها.

وإن هذه الكثرة تأتي عبر تسهيل أمر الزواج الشرعي والتشجيع عليه، وإغلاق كل باب يذهب بالشباب إلى الفجور، وإغلاق كل باب على كل الأصوات التي تدعو إلى تحديد النسل وتقليل عدد الأمة وتشجِّع شباب الأمة على الرذيلة وسوء الأخلاق، إلى جانب أنه لا بد أن تسعى الدول قليلة العدد إلى التداعي إلى بعضها بهدف إيجاد كيان موحد، به يكثر عدد سكانها وتقوى شوكتها ويهابها عدوها؛ لأن الدولة التي يصل عدد سكانها إلى مليار نسمة يمكنها أن تحمي بلدها من العدوان الخارجي بجزء يسير من شعبها ويظل الجزء الأكبر من مواطنيها قائماً بإدارة الحياة اليومية للبلد، بخلاف الوطن قليل عدد السكان؛ فإنه يتأثَّر سلباً بمعركة واحدة؛ ولهذا تلجأ حكوماته إلى التجنيد القسري لتعويض ما فُقِدَ في الحرب وهو الأمر الذي يؤدي إلى توقيف عجلة التنمية؛ لانشغال كل المواطنين بواجب الدفاع عن الوطن أو عن السلطان.

من عوامل حماية عدد السكان:

لم يكتفِ الإسلام بالتحريض على الزواج وبالتكتلات الجمعية من أجل تكثير عدد السكان؛ وإنما اتخذ مع ذلك عدداً من الاحتياطات التي تحمي المواطنين من التآكل والتناقص الذي يضعفهم عدداً.

يظهر ذلك في أكثر من إجراء اتَّخذه هذا الدين؛ فقد فرض على السكان أن يكونوا أمة واحدة يلتقي سوادها على الإيمان عقيدةً وولاءً، وعلى الوطن الواحد معيشةً وموطنَ استقرار، وعلى فريضة التعاون بين الأمة على الأمر بالمعروف والتناهي عن المنكر والدعوة إلى الخير، وعلى واجب الدفاع عن المكاسب الوطنية.

كما حرَّم اللجوء إلى التقاتل لحلِّ خلافاتها فجعل القاتل والمقتول في درجة واحدة من الجريمة والعقاب. ولحماية عدد السكان من التناقص بسبب الأمراض الفتاكة فرض أن يتحلَّى المواطنون بالأخلاق الحميدة، وأن يقوموا بحمايتها بالعفَّة والدُّربة والترويض، وأن يأخذوا على يد عاصيهم؛ حفاظاً على سلامة المواطنين عامة من الهلاك العام المكتوب على الأمة إذا تركت واجب إصلاح اعوجاجها.

وكان ضمن عوامل الحفاظ على عدد السكان أن كُتب على الأمة فريضة الجهاد في سبيل الله لتردَّ العدوان الخارجي عن نفسها وعن وطنها وأعراضها، كما ألحَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في المعركة في الدعاء حتى تُحمَى العصابة المجاهدة من القتل، وقد تأسَّف وبكى بألم بالغ عندما قُتل عدد من أصحابه وهم يقومون بفريضة الجهاد التي كتب الله عليهم. ولم يكن من أهدافه إبادة سكان الديار المفتوحة سيفاً.

ولهذا جرى النهي الشرعي عن قتل المدْبِر والعجوز والصغير والمرأة والمستسلم؛ فلا يجوز شرعاً قتل الناس إلا في حالة حرب مشروعة؛ لتقليل الأضرار البشرية والمادية وحرصاً على حماية عدد السكان من التناقص، وإن حصل قَدَراً وباءٌ مفاجئ فرض الإسلام الحجر الصحي على المصابين؛ لتقليل الأضرار على السكان.

مسألة الغثاء:

ربما يتساءل القارئ: من أين لك الاعتداد بكثرة عدد السكان وربط ذلك بالتنمية الوطنية ونحن نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن الأمة يصيبها الوهن في آخر أمرها بسبب حبِّ الدنيا وكراهة الموت وتجرُّؤ أعدائها عليها؛ على الرغم من أنها كثيرة في عددها وغنيَّة بمواردها؟

السؤال حق لكنه لا يتنافى مع الحقيقة التي نتحدث عنها في أن كثرة عدد السكان جزء من مقاصد الشريعة وأن هذه الكثرة عامل فاعل من عوامل التنمية الوطنية. 

وحديث الغثاء لا يسقِط هذه الحقيقة؛ وإنما يضيف إليها أهم صفاتها الفاعلة لتؤدي دورها الإيجابي، وهي: كونها -مع كثرة عددها- تتمتَّع بالشجاعة والعمل الجهادي وتُؤْثر الآخرة على الدنيا والآجلة على العاجلة؛ مثل ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الطاهرون وسلف هذه الأمة؛ فإن كثرتهم الفاعلة كانت قد أسست وطناً رابطاً لهم وانطلقت بالفتوحات إلى كل الاتجاهات، وهو الأمر الذي لم يكن مشروعاً لها أن تقوم به وهي قليلة العدد عديمة الوطن ضئيلة الإمكانات في مكة المكرمة قبل الفتح وقبل الهجرة أيام المطاردة والاستضعاف والصبر الجميل.

صورتان:

أدرك اليهود فائدة الكثرة العددية ففتحوا الباب إلى كل من يدعي أنه يرتبط بهم نسباً وديناً، وبموجب هذه السياسة أتى إلى الدولة الصهيونية يهود سُود ويهود حُمر ويهود بيض ويهود عجم ويهود عرب.

وأوروبا أدركت فائدة الكثرة العددية فأخذت تفتح بابها لضمِّ دول جديدة إليها، والغرب عامة أدرك فائدة الكثرة العددية فأخذ يستورد إلى قاراته شعوباً من دول وقارات أخرى.

هذه صورة تقابلها صورة أخرى وهي ما عليه المسلمون في الوقت الحاضر؛ فنحن نجتهد في كَبْح جماح المواليد عندنا بأدوية منع الحمل مرة، وبإشاعة ثقافة الحد من الذرية مرة، وبقوانين تحديد النسل مرة ثالثة، وبعزوف الشباب عن الزواج الشرعي استغناء بورودِ مواطنِ الحرامِ مرات كثيرة، إلى جانب تشتُّت حكومات العالم الإسلامي والعربي؛ فكم هي المسافات المتباعدة بينها على الرغم من وجودها في مظلات جامعة إقليمية أو عالمية، وعقدية أو قومية، واقتصادية أو سياسية؟

ولم تصل بتكتُّلاتها إلى درجة تحرِّك فيها جيشاً يدافع عن مصالحها ولا تقدم على عقد يوجب عليها الاستغناء بتشغيل مواطنيها عوضاً عن استيراد بعضها عمالة أجنبية مريبة تخالفها ديناً وخُلقاً تسيطر على مقاليد أمورها وتخفي لها ضغينة وكيداً.

الخلاصة:

إن كثرة عدد السكان ميزة إيجابية يلزم الدول الإسلامية أن تسعى إليها وتجتهد في إيجاد السبل الشرعية التي تحققها، وهذه الكثرة تأتي بطريقين:
أحدهما: مشروع الزواج الشرعي.

والآخر: إيقاف الخصومات والحروب البينية، وقطع التحالفات الخارجية المريبة ضد بعضهم، وكسر الحدود الاستعمارية؛ لإنشاء مشروع التكتلات الجمعية الإيجابية التي تنضم فيها الدول إلى بعضها انضماماً حقيقياً اختيارياً؛ حتى تحقق الكثرة الإيجابية المطلوبة، وعند ذلك يمكن أن تصل إلى درجة تحقِّق فيها التنمية السكانية وتدافع فيها -بقدرةٍ غالبة- عن مكاسبها وتحمي مقدراتها.

وهذه الكثرة ثمرة لا تتأتَّى إلا بخُلق يتحلَّى به المواطن يدفعه للمساهمة الفردية لتكثير سواد الأمة بالزواج الشرعي وتيسير أمره، ويتحلَّى به الموسرون من الأمة والجمعيات الخيرية وأولياء الأمور والعقلاء يدفعهم إلى دعم مشروع الزواج الحلال؛ لإغلاق كل منافذ البدائل الفاسدة التي يرتع فيها حالياً بعض شباب الأمة، كما تتحلَّى به الدول الإسلامية يدعوها لتنضمَّ إلى بعضها؛ حتى تصنع من نفسها كتلة مهابة قوية قادرة على حماية نفسها واستثمار خيرات بلادها واستغنائها عن الاحتياج إلى من ليس منها، وقادرة كذلك على ردع من يعتدي عليها؛ فمن هذا الذي يمكنه أن يكسر شعار (لا لاستلاب القرار السياسي والاقتصادي) الذي يقف معه مليار مسلم يجمعهم وطن واحد وسلطان واحد؟

ومن هذا الذي يمكنه أن يقف في وجه شعار (نعم للجهاد) الذي يطلقه عشرة ملايين جندي تجمعهم راية واحدة ويقودهم قائد واحد؟ 

 

حامد محمد إدريس

المصدر: مجلة البيان