المرجفون والأمل العريض

عبد الله عزام

وليتهم نقلوا الصورة صادقين، بل ليتهم نصحوا بحكمة ولين، ليتهم يدركون أبعاد هذه الشائعات المغرضة، إنهم لا يعلمون أنهم يطعنون هذا الدين بطعن هذا الجهاد من حيث يظنون إنهم يخدمون هذا الدين.

  • التصنيفات: الواقع المعاصر - فقه الجهاد -

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره.

وبعد:

ففي الوقت الذي تكالبت على المسلمين الأحزاب في الجزيرة العربية، يقودها أبوسفيان بعشرة آلاف من قريش وغطفان وبني أسد وفزارة وأشجع وبني مرة، يؤجج أوار المعركة رؤوس اليهود وأئمة الكفر - حيي بن أخطب وسلام بن مشكمة وسلام بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع -

في هذا الوقت الذي تقول عنه أم سلمة رضي الله عنها: (شهدت معه صلى الله عليه وسلم مشاهد فيها قتال وخوف، المريسيع وخيبر، وكنا بالحديبية وفي الفتح وحنين، لم يكن ذلك أتعب للرسول صلى الله عليه وسلم ولا أخوف عندنا من الخندق، وذلك أن المسلمين كانوا فيها مثل الحرجة، وأن قريظة لا نأمنها على الذراري، فالمدينة تُحرس حتى الصباح تسمع فيها تكبير المسلمين حتى يصيحوا خوفاً، حتى ردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا).

في هذا الوقت العصيب؛ جاء خبر نقض قريظة لعهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث اليهم السعدين - ابن معاذ وابن عبادة - وخوات بن جبير وعبد الله بن رواحة؛ ليعرفوا هل هم على عهدهم أم قد نقضوه، فلما دنوا منهم فوجدوهم على أخبث ما يكون، وجاهروهم بالسب والعداوة، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، انصرفوا عنهم ولحنوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لحنا يخبرونه أنهم قد نقضوا العهد وغدرواـ فعظم ذلك على المسلمين.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «الله أكبر! أبشروا يا معشر المسلمين» (زاد المعاد: 3/272).

البشرى مع المحنة القاسية والأزمة الخانقة، إنه يريد أن يبقى الأمل العريض يحرك مسيرتهم ويوجه ركبهم ويحيي نفوسهم.

إن الأمل يخفف كثيرا من آلام المعركة، ومن عناء المسيرة، ومن مرارة المعاناة.

              إذا شكت من كلال السير أوعدها  *** روح القدوم فتحيا عند ميعاد           

إنه صلى الله عليه وسلم يعلم أن اليأس قاتل للنفوس، مدمر للمجتمعات، يشل حركتها، ويجفف منابع الخير فيها، ولذا فـ {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّـهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف:114].

إن المحن وأهوال القتال وضراوة المعركة وشراسة اللقاء؛ ضرورة ماسة، فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة ولا تنضج نضجا صحيحا ولا تصح وتستقيم على منهج الله إلا بهذا النوع من التربية، التي تُحفر في القلوب وتُنقش في الأعصاب، وأما القرآن والسنة فانهما يوجهان القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة.

ولكن ومع نار المحنة لابد من الأمل، ومع طول المسيرة لابد من فسحة البشرى، تدفع الجموع الصادقة وتوجه النفوس الخالصة.

لابد من الغاء اليأس من قاموس الدعوات، ولا بد من نفي الملل من معجم الحركات، ولا بد من مسح القنوط من كتب الجهاد ومن مخيلات المجاهدين.

ولذا لابد من إشاعة البشرى وكتم عوامل الضعف عن جمهور الأمة، فقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ؛ أنه إذا نقضت قريظة عهدها فلابد من كتمان الخبر، وإذا لم تنقضه فالأولى إشاعة الأمر بين المسلمين.

إن نشر الإشاعات المرجفة بين المجاهدين أثناء المعركة؛ يفت في عضدهم ويوهن عزائمهم ويخلخل صفوفهم، ولذا نص الفقهاء على أنه "لا يجوز اصطحاب مثبط ولا مرجف ولا مخذل ولا معوق" (تفسير القرطبي: 8/218)، {لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [التوبة:47].

ولذا فقد أدت بعض الإشاعات في وسط المعركة إلى هزيمة المسلمين.

مثل إشاعة مقتل عبد الرحمن الغافقي قائد (بلاط الشهداء) - بواتيه - في فرنسا سنة 732م، والتي هزم فيها المسلمون أمام جيوش (شارل مارتل)، الذي حرم بسيفه أوروبا من نور الإسلام وهديه إلى يومنا هذا.

لقد مرت بنا أيام في ابان حكم عبد الناصر؛ اشتد فيها الظلام، وخلا الجو للشيطان يزرع الأرض شرقا وغربا، وانزوى المسلمون المطاردون بـ (الإعلام الناصري) في زوايا النسيان، وأصبح المسلم غريبا غربة ما عانى الإسلام مثلها.

وفي هذا الوقت العصيب، يخرج الأستاذ سيد قطب رحمه الله كتابه من أعماق السجون ومن وراء قضبانها؛ (المستقبل لهذا الدين)، ولم تمض عشر سنوات حتى بدت الأزمة تنفرج وبدأت البشائر تلوح في الأفق، وبدأ بصيص النور يقوى ويحيي الأمل في النفوس.

واليوم هنالك بعض الأفراد يشككون في هذا الجهاد المبارك، ويضخمون مساوئه، ويخفون حسناته، ينشرون السلبيات ويكتمون الإيجابيات، ويقولون؛ إن فيه بدعا وشركيات وفجورا والتواءات!

وليتهم نقلوا الصورة صادقين، بل ليتهم نصحوا بحكمة ولين، ليتهم يدركون أبعاد هذه الشائعات المغرضة، إنهم لا يعلمون أنهم يطعنون هذا الدين بطعن هذا الجهاد من حيث يظنون إنهم يخدمون هذا الدين.

إنهم لا يعلمون؛ أن العالم كله الآن يرقب باهتمام بالغ وحرص شديد نتيجة هذا الجهاد - اللهم إلا المسلمون فإنهم عن الجهاد لغافلون -

يقول محمد أسد  -الأمريكي المسلم، صاحب كتاب (الإسلام على مفترق الطرق): "إن العرب والمسلمين يلهون ويلعبون بأخطر قضية في الأرض، إنهم أغفلوا أهم قضية في الأرض، وجحدوا حقوق أفضل شعب فيها، وهو الشعب الأفغاني، إنهم تركوه وتناسوا أصالته وقدرته القتالية ووفاءه لدينه ورجولته، إنهم أغفلوا دوره الذي ينتظره العالم بأجمعه". [من حديث للشيخ (بكر خميس)، نقلا عن محمد أسد]

فإلى الإخوة الذين ينشرون أخطاء هذا الجهاد، بصدق نقول:

إن المسلم يعمل مهما كانت الظروف، لأن عليه الأخذ بالأسباب، والنتائج بيد رب العالمين.

إن المسلم مأمور أن ينفذ الأوامر الربانية ويدع المقادير للعناية الإلهية.

ولذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: «إذا كانت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها» . [أخرجه الامام احمد في (المسند برقم: 3/ 184)، بلفظ: «إن قامت على أحدكم القيامه...»]

إن التوكل على الله هو جماع الإيمان، وقد ضمن الله لمن توكل عليه القيام بأمره وكفايته همه، فقال: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق:3]، {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ فَإِنَّ اللَّـهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال:49]، أي؛ عزيز لا يذل من استجار به، ولا يضيع من لاذ بجانبه، حكيم؛ لا يقصر عن تدبير من توكل على تدبيره.

وكما قال ابن القيم في (طريق الهجرتين): "فالتوكل مركب السائر الذي لا يتأتى له السير إلا به، ومتى نزل منه انقطع لوقته، وهو من لوازم الإيمان ومقتضياته". (طريق الهجرتين لابن القيم. ص: 326)

ويقول أيضا: "التوكل يجمع أصلين: علم القلب وعمله، فأما علمه: فيقينه بكفاية وكيله وكمال قيامه بما وكله إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك، وأما عمله: فسكونه إلى وكيله وطمأنينته إليه، وتفويضه وتسليمه أمره إليه، ورضاه بنصرته له فوق رضاه بتصرفه هو لنفسه).

وأما المرجفون المغرضون، أو الجاهلون الصادقون؛ فنقول:

إن أحدهم يرى بيته بين حانة خمر ومرقص في بلاده، ومع ذلك فلا غيرة ولا نكير.

ونقول لهم الحديث القدسي في البخاري؛ «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب...» .

فكيف بإيذاء أولياء الله؟!

ونقول لهم:

إن الأدب الشرعي أن نرد الأمر إلى المسؤلين، {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء:83].

فإذاعة أخبار السوء عن الجهاد والمجاهدين ونشر سلبياتهم؛ اتباع للشيطان.

ولا يقولن أحد؛ إن المسلمين لا خير فيهم، أو معظمهم مشركون هالكون، ففي الصحيح: « إذا قال العبد: هلك الناس فهو أهلكهم».  [رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعا]

وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود مرفوعا: «هلك المتنطعون» - قالها ثلاثا -

وسبحانك اللهم وبحمدك

أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك

المصدر: عن مجلة الجهاد . العدد الثاني والعشرون . 22/محرم/1407 هـ