فضفضة

محمد عطية

  • التصنيفات: دعوة المسلمين -


• قبل مباراة نهائي كأس العالم ٩٨ والتي كانت بين: فرنسا & البرازيل .. كنت في الدرس أرقب وقت الخروج لأشاهدها مع أبي ..
وفاجأنا الشيخ: اللي عايز يدخل الجنة ما يتفرجش على الماتش ده !
صراع نفسي حاد استبد بي .. ثم اخترت الجنة ..
دخلت إلى غرفتي مباشرة وأغلقت الباب (والذي كان مواجها للتلفزيون تماما) وبدأت رحلة التقلب على السرير .. أرقا ومقاومة !
ناداني أبي مرة وأخرى؛ فتحججت بأني أريد النوم .. والصوت يرن في أذني .. هدف أول لزيدان والثاني .. وأبي يسأل أمي مستنكرا: "ماله محمد ؟!"
لكن الجنة غالية .. أرددها في نفسي ..
قمت الصباح وشعور بلذة انتصاري على نفسي يداعبني .. لكن الخطر كان في ذاك الاستعلاء الذي بدأ يدب لنفسي الصغيرة على (ضعفاء النفوس) الذي استسلموا للمباراة !
بعدها بحوالي ثلاثة أعوام .. مباراة القرن .. الأهلي وريال مدريد .. ويتكرر نفس الموقف بتفاصيله .. غير أن أبي لم يدعني !
دخل علي .. فوجدني مستيقظا، أتقلب: 
- "مالك ؟!"
-- هنام
- مش عادتك تنام بدري كده
-- مش عايز أشوف الماتش .. عشان أدخل الجنة !
- شوف يبني .. لو فاكر إن ربنا جعل دخولك الجنة بكده = تبقى مش فاهم أي حاجة ..
لما تتربس = تربس في حاجة تستاهل !
وتركني ومضى ..
من اليوم التالي كلفني بمضاعفة ورد القرآن الذي أسمعه عليه في المراجعة .. وبدأ بتكثيف متابعتي في طريقة تعاملي وطاعتي لأمي وله !
لم يكن عقابا بقدر ما كان لفتا عمليا لنظري لمعنى "حاجة تستاهل".
وظلت كلمته هذه ترن في أذني حتى الآن .. "تربس في حاجة تستاهل".
لا تعش دور الغربة الساذجة والورع البارد، وتصنع لنفسك معارك وهمية تبني على أساسها أمجاد واهية .. تستنزف طاقتك في الثبات، ثم تفاجأ بسقوطك المدوي في المعركة الحقيقية !
• (النمص للمتزوجة  - النقاب - الإسبال - الأخذ من اللحية) وغيرها من القضايا التي أثيرت مؤخرا = كاشفة تماما لإشكال شنيع تعدى مجرد الفهم للمنهج ليصير خللا نفسيا في المقام الأول.
لا تثريب عليك في الأخذ والعمل بالقول الذي يسرك أن تلقى الله به .. لكن التثريب كل التثريب في شدة نكيرك على قول (معتمد موثق بأدلته) لمجرد أنه يقلص مساحة هالة (الغربة) التي فرضتها حول نفسك، وصرت تراها شيئا أساسيا من مفردات شخصيتك !
الحقيقية يا صاحبي -ودعنا نكن صرحاء- أنه كان يهون عليك أن تعتقد أن الدليل فات الإمام أبا حنيفة أو مالك .. أو الشافعي وأحمد .. أو لم يهتد أحد فيهم للقول الراجح .. في حين يصعب عليك جدا أن تخالف (برفق) أو تخطئ (بأدب) الشيخ المباشر الذي درست على يديه .. صاحب القول الواحد، والرأي الذي لا ثاني له !
• قرأت تعليقا لإحداهن تقول: "طب وصاحبتي المتزوجة اللي كنت أقنعتها تسيبه لله .. وسابته، أقولها إيه ؟!
طب وشكل الأخت اللي هتاخد بالجواز هيكون أدام الأخوات إيه ؟!"
وعذرتها تماما ..
إنها تدافع عن رايات الانتصار التي رفعتها دوما .. والآن تكتشف أنها لم تكن بتلك القيمة الكبيرة !
ناهيك عمن كانت سببا في ترك إحداهن للصلاة أصلا؛ لما رأتها نامصة فبشرتها -لا جزاها الله خيرا- بأنها مطرودة من رحمة الله .. قولا واحدا.
وآخر قال: "الإسبال -مطلقا- كبيرة .. وإن رغمت أنوف !"
وكأن الانتخابات التي تبع فيها كبراءه قد أثرت عليه .. فصارت الأحكام عنده شعارات، وغيظا للمنافس .. حتى لو كان أنف أبي حنيفة النعمان.
وثالث ينتفض اعتراضا على تجويز الأخذ من اللحية؛ فهو يراه انتكاسا .. ولو كان قول الجمهور !
في حين أنه يرى لحيته المغموسة في دماء إخوانه .. اجتهادا صحيحا .. يتقرب به لله.
ورابع رأى -بجهله- أنه قائم على حماية جناب الشرع، وحراسة أصول الدين ضد المتسيبين المتهوكين .. ثم هو ساقط بجدارة في أول اختبار أخلاقي لعفة لسانه عند أدنى خلاف !
أنا لست هنا بصدد الدفاع عن قول من الأقوال؛ في النهاية كلنا سيُسأل وحده بين يدي الله .. وما دمت تأخذ بقول من تطمئن لدينه وورعه (دون نكير فيما يسوغ فيه الاختلاف، أو استعلاء بما ترى فيه أنك على الحق دون غيرك) = فأنت بخير ..
لكني بصدد الوقوف على آثار تلك الجناية التي جرتها تربية قاصرة جامدة .. على أجيال بأكملها.
• يوما ما .. سمعت أذني ووعي قلبي عن الشيخ يعقوب في محاضرة له قسمه هذا:
" أقسم بالله أن الإخوة (يقصد الملتحين والمنتقبات) هم أفضل ناس على وجه الأرض .. يكفي أنهم لا يشركون بالله ".
تلك الأفضلية لم تدم في خاطري طويلا .. ولله الحمد على هذا !
بل فهمت سريعا أنهم شريحة عادية من البشر .. يسري عليهم ما يسري على مجتمعاتهم من أدواء وأمراض .. بشكل أو آخر .. 
نعم .. حسنت مظاهرهم .. لكن أسوأهم من جعل هذا (المظهر) معركته الوحيدة التي حقق فيها كل انتصاراته !
هل أقلل من شأن المظهر ؟!
معاذ لله. 
أنا أقلل فقط من أن تبذل فيما يسعك فيه الاختلاف كل (تربستك) ..
أنا أعيذني وأعيذك من أن نسقط فيما (يستحق) .. ثم نخدر ضمائرنا ب(هاجس) الغربة .. فيما (لا يستحق).