مشاهد متفرقة!

سارة خليفة

نحلم جميع بالنصر؟ أن ينتهي كل هذا البؤس المحيط بنا..
أن يأتي اليوم الذي تنتهي معه مرارة العجز والخذلان.. التي لازمتنا منذ فتحت عيوننا أول مرة على حقيقة أمتنا؟
أين السبيل؟ ماذا فعلت أنت لكي ترفع هذا الظلم والجور والعدوان على إخوانك؟ هل يكفي الدعم المباشر والعمل الإغاثي وحده؟ والترغيب فيه؟ لا شك هو مهم.. بل هو حق من حقوق إخواننا علينا.. ويجب العمل بجد لكي يعيي من حولنا أهميته والمشاركة الجادة فيه..
ولكن ماذا فعلت أنت لكي ينصر الله المسلمين؟

  • التصنيفات: الواقع المعاصر - قضايا إسلامية معاصرة -

(1)

يسير ولكن لا يرى شيئًا من حوله!

دخان أسود في كل مكان، يكاد يطبق عليه.. لا يرى من خلاله شيئ!
غبار يتصاعد من تهدم البيوت من حوله..
كل الوجوه من حوله أصبحت بيضاء.. من أثر الغبار، أو من الهول الذي رأوه! لا يدري..
فجأة..
يسمع صوت كالصفارة تشق صمت الهول من حوله.. يلتفت للوراء.. يجد من كان يقف خلفه يسقط!
يسقط ويحدث مع سقوطه عاصفة من الغبار.. يحدث معها حالة هلع.. الجميع يجري، ولكن إلى أين؟

(2)

تقف في وسط غرفتها..تحتضن صغيرتها، تسمع صوت خطواتهم تعلو..
تعلو وتعلو..
تعلم أنهم على بعد خطوات منها هي وصغيرتها..
لا تدري ما تفعل!
تنظر لصغيرتها الفزعة، وعيونها الباكية.. لا تدري أتطمأنها؟ أم تبكي معها؟
تحتضنها وتبكي..

(3)

صغيرة تعتصر دميتها بين كفيها الصغيرتين..
تعتصرها وتبكي..
فهي أصغر من أن تعي الهول الذي يحدث من حولها..
هذا هو الجانب الذي ألتقته عدسة المصور.. وهو جانب واحد من الصورة..
فلا أدري.. ما رأت تلك الصغيرة.. وما حدث حولها..
وما كان أمامها وقت ألتقات الصورة.. لعلها أشلاء متناثرة؟

(4)

صغيرة، تجري.. تبكي وتصرخ.. لا يوجد حولها شيئ لا الموت..
تمر بين صفوف من الجثث تراكمت على جانبي الطريق..
لا تدري إلى أين تذهب.. تبحث عن وجه أي أحد تعرفه.. أي عين تألفها!
ولكن أين؟

(5)

يجلس أمام التلفاز يتابع باهتمام أحداث فيلم ما..
يتفاعل معه.. ينسى أحيانًا أن كل ذلك تمثيل مجرد..
لا يلتفت لكم من الذنوب التي كتبت في صحيفته أثناء مشاهدته..
عدم إدراك؟ استصغار لذنب؟ طول أمل بتوبة قريبة؟
تقع عينه على شريط الأخبار في أسفل الشاشة، حلب تباد! آلاف من المدنيين محاصريين..
يكمل مشاهدة الفيلم.. ولعله في غمرة أحداثه نسى أنه قد قرأ ما قرأ!

(6)

يمسك هاتفه، يتصفح بضجر مواقع التواصل..هي هي نفس نوعية المنشورات كل يوم..

تقع عينه في وسط التصفح على صورة.. يعود لها مرة أخرى.. يقرأ التعليق تحتها.. حلب تباد!
يعود لتصفحه مرة أخرى..
فهو عتاد تلك المشاهد من حين لآخر..

(7)

تتابع برنامجها المفضل.. مسابقة لأفضل صوت!
وكأن ما يؤخرنا وما ينقصنا أن يتم اكتشاف صوت جديد يضاف للأصوات التي لا تصدع بشيء غير كل ما يغضب الرب جل وعلا!
تجد شريط خبر عاجل ظهر.. تقرأ بسرعة لتعرف ما العاجل.. حلب تباد! آلاف من المدنيين محاصريين..
كأن تم اختصار كل تلك المأساة إلى مجرد كلمات صماء كتبت.. فإن كانت صماء والقلوب التي تتلقاها لا حياة ولا تنبض حتى لمصاب إخوانها.. لتبقى صماء كما هي!
وأكملت مشاهدة برنامجها.. وأسرعت نحو هاتفها لترسل رسالة على رقم البرنامج لتشجيع صوتها المفضل!

(8)

يقف في ظلمة الليل.. وحيدًا يصلي..
يعتصر الألم قلبه.. لا يحتمل ما يحدث حوله.. يشعر بعجز شديد اتجاه إخوانه..
أتعجبون لذلك، لأنه لا يعرفهم؟ يكفيه أنهم إخوة له في الدين..
يسجد.. يدعو ويبكي..
اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشق، المقر المعترف بذنبي، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، دعاء من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عيناه، وذل لك جسده، ورغم لك أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك شقيًا، وكن بي رؤوفًا رحيمًا، يا خير المسؤولين ويا خير المعطين..

(9)

قرأ ما يحدث في حلب..
ووجد من حوله بين غافلٍ ومتغافلٍ.. إلا من رحم ربي!
بدأ يحدث نفسه.. ما المخرج؟ أين السبيل؟
جلس مع نفسه، وكاشفها!
ماذا فعلتِ يا نفس تُجَاه ما يحدث؟
نحلم جميعًا بالنصر؟ أن ينتهي كل هذا البؤس المحيط بنا..
أن يأتي اليوم الذي تنتهي معه مرارة العجز والخذلان.. التي لازمتنا منذ فتحت عيوننا أول مرة على حقيقة أمتنا؟
أين السبيل؟ ماذا فعلت أنت لكي ترفع هذا الظلم والجور والعدوان على إخوانك؟ هل يكفي الدعم المباشر والعمل الإغاثي وحده؟ والترغيب فيه؟ لا شك هو مهم.. بل هو حق من حقوق إخواننا علينا.. ويجب العمل بجد لكي يعيي من حولنا أهميته والمشاركة الجادة فيه..
ولكن ماذا فعلت أنت لكي ينصر الله المسلمين؟
{قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ} [آل عمران من الآية:165]!.. تذكر هذا الجزء من الآية..
هل سألت يوما نفسك حقًا، هل أنت مسلم حقًا؟ وليس مسلم بالشهادة وبالنسب؟ كأن الإسلام أصبح جزءًا من الإرث الذي يورّثه الأبُ لابنه!
هل تعلمت يومًا دينك؟ هل تعرف ماذا يريد منك ربك؟ أتعرف كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم؟ هو صلى الله عليه وسلم النموذج البشري لتطبيق الإسلام.. ماذا تعرف عن نبيك صلى الله عليه وسلم؟
"لا إله إلا الله.. محمد رسول الله".. أتعرفها؟ لا أعني نطقها.. بل هل تدري معناها؟ مقتضاها؟
هذا هو السبيل..

"فرق شاسع بين مفهوم العبادة كما نزل من عند الله، وعلمه رسول الله صلى الله عليه و سلم ووعاه الجيل الأول ومارسه، و بين المفهوم الشائه الهزيل الضامر الذي فهمته الأجيال المتأخرة.. مارسته أم لم تمارسه!
المفهوم الأول هو الذي أخرج {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران من الآية:110] والمفهوم الأخير هو الذي أخرج "غثاء السيل".. و لا بد من تصحيح المفاهيم .. {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد من الآية:11]، {قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} [المائدة من الآية:100].. إن المسألة ليست ثانوية.. ولا هي مسألة هينة يكفي لحلها شيء من الوعظ والإرشاد.. إنها مسألة تحتاج إلى بناء من جديد"[1]
هذا البناء الجديد.. هو السبيل!
---
[1] (مفاهيم ينبغى أن تُصحح – لمحمد قطب).