السيرة النبوية: أعداء داخل المدينة... اليهود والمنافقون

أيها المسلمون، لم يكن الأمر ورديًّا للمسلمين في المدينة كما يظن البعض، ولم يكن خاليًا من المشكلات والصعوبات، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أوجدَ حلولًا للمهاجرين، وأوجدَ هويةً للمدينة الجديدة ومعالمها.

  • التصنيفات: السيرة النبوية -

أيها المسلمون، لم يكن الأمر ورديًّا للمسلمين في المدينة كما يظن البعض، ولم يكن خاليًا من المشكلات والصعوبات، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أوجدَ حلولًا للمهاجرين، وأوجدَ هويةً للمدينة الجديدة ومعالمها.

 

فإن المدينة لم تكن مهاجرين وأنصارًا فحسب، بل إن هناك جماعاتٍ أخرى لها في المدينة مثل ما للمهاجرين والأنصار.

 

يعتبرون المدينة وطنهم وبلدهم، وفيها مصدر رزقهم وعيشهم؛ إنهم اليهود، وهم أهل كتاب، فالتعامل معهم ليس مثل التعامل مع غيرهم، لقد كانوا ثلاث جماعات: يهود بني قينقاع، ويهود بني النضير، ويهود بني قريظة، وكل جماعةٍ في حصونها ويملكون سلاحًا ومقاتلين.

 

فكان لا بد من اتفاق بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن أصبح النبي صلى الله عليه وسلم هو صاحب الأمر والنهي في المدينة، فكان ما عُرف بعد ذلك بعهد المدينة، شرطه الرئيسي ألَّا يقوم اليهودُ بأي عملٍ من شأنه الضررُ بالمسلمين، والتحالف مع أعدائهم من قريش وغيرهم، وأن يلتزموا الحفاظ على أمنِ وسلامةِ المدينة، وإن كانوا غير مستعدين للدفاع عنها، فإنهم ملزمون بعدم الغدر بالمسلمين، والوقوف مع أعدائهم.

 

وبغض النظر عن مدى التزام اليهود بهذه الاتفاقية، فإنها أظهرت في النبي صلى الله عليه وسلم صفة رجل الدولة، الذي يهمه استقرار مدينته، وأمن رعاياها، والحفاظ على الأمن السلمي، والعيش المشترك، وعدم فتح جبهات متعددة، في وقت واحد، وكم وقع المسلمون في أخطاء بسبب البعد عن السياسة النبوية، وتنزيل تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم كل تصرفٍ في محله، وظرفه المناسب له! وقبل أن نترك الحديث عن اليهود، لا بد من ذكر وتعظيم لرجلٍ من سادة اليهود وكبرائهم، ترك الدنيا وما فيها من الجاه والمقامات العظيمة، التي له ولعائلته في بني إسرائيل، واختار طوعًا أن يلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويؤمن به ويصدقه، رغم اتفاق يهود وتواطئهم على إنكار نبوته، وتكذيب رسالته.

 

عبدالله بن سلام سيدهم وابن سيدهم، وعالمهم وابن عالمهم، ترك هذه المكانة، وهذه الحظوة في بني إسرائيل، وصار مسلمًا من صحابة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد قيل: إنه المعنيُّ بقوله تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} [الأحقاف: 10]، عبدالله بن سلام المشهود له بالجنةِ رضي الله عنه، لقد ظللتُ أتتبع أخباره بعد الوفاة النبوية، فإذا بي أجده تنتهي رحلته شهيدًا في سبيل الله، في فتوح بلاد فارس رضي الله عنه وأرضاه، لقد صدق الله فصدقه.

 

وما كان اليهود شيئًا جديدًا على المؤمنين في المدينة، فإنهم لم يكونوا يمثلون حالة مجهولة، لقد كانوا أهل كتاب يفصحون عن أنفسهم وعقائدهم.

 

لكن الجديد على الحالة الإيمانية، والأمر المربك فعلًا، الظاهرة التي وُجدت في المدينة، الظاهرة التي استغرقت فواتح سورة البقرة، وهي من أول ما نزل في المدينة، واستغرقت سورة براءة، وهي من آخر ما نزل في المدينة، واستغرقت سورة الأحزاب وهي من أوسط ما نزل في المدينة، واستغرقت سورة كاملة، سميت باسمهم: "المنافقون".

 

هؤلاء القوم الذين لا تعرف إلى من يميلون، قلوبهم هنا، وألسنتهم هناك، إن قلت: إنهم لا يصلون فهم يصلون، {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى}، وإن قلت: إنهم لا يذكرون الله فهم يذكرونه، {وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا}، ولم يكونوا من عامة الناس، بل هم من الوجهاء والسادة: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} [المنافقون: 4].

 

هؤلاء اختلطت عليهم الأمور، فما هم مؤمنون، ولا هم كفار، فهم بين بين، لكنهم في غالب مواقفهم خذلان للمؤمنين، واستهزاء بهم، وسخرية منهم، إلا من فتح الله على قلبه منهم، فبانت له الحقيقة، فترك النفاق، وآمن حق الإيمان.

 

لقد كان لهم رأسٌ، لطالما آذى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وسبب فتنًا بين المسلمين، وذكره الله في أول سورة النور، وفي وسط براءة، وفي آخر المنافقون، وكان الصحابة يشيرون على النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتله فيكون جوابه عليه الصلاة والسلام: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه»، لقد كان وجوده ثقيلًا حتى على ابنه الصحابي البدري الذي هو الآخر استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتله لو أراد، فكان جوابه: «بل نحسن صحبته ما صحبنا».

 

هذه هي الحكمة النبوية، فإن البعيدين الذين يرصدون أفعال وتحركات النبي صلى الله عليه وسلم، لا يفرقون بين منافق وغير منافق، وما أدراهم عن المنافق من غيره، كان الجميع أمامهم أصحابَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فإذا عمل السيف عمله في المنافقين، وحصد رؤوسهم، وانتشر خبر ذلك، كان ذلك مانعًا لكثيرين من دخول الإسلام، واتباع نبي الإيمان.

 

يجب أن نتحمل الأذى قليلًا، وأن نصبر على العضو الفاسد، لئلا يؤدي استئصاله إلى فسادٍ أكبر، ومن هنا جاء فقه المصالح والمفاسد.

____________________________________________
الكاتب: ساير بن هليل المسباح