كفى فرقة بين المسلمين

لقد أصبحت الأرض كالقرية الصغيرة مع وسائل النشر والتواصل بين البشرية جمعاء، واشتعلت عمليات الغزو الفكري لأبناء العالم الإسلامي، وتم نشر الفتنة والتنازع بين المسلمين كدول ثم كجماعات داخل كل دولة مسلمة، ثم انتقلت إلى الأفراد بعضهم البعض، مع توفُّر وسائل التواصل الاجتماعي...

  • التصنيفات: قضايا إسلامية معاصرة - الغزو الفكري -

لقد أصبحت الأرض كالقرية الصغيرة مع وسائل النشر والتواصل بين البشرية جمعاء، واشتعلت عمليات الغزو الفكري لأبناء العالم الإسلامي، وتم نشر الفتنة والتنازع بين المسلمين كدول ثم كجماعات داخل كل دولة مسلمة، ثم انتقلت إلى الأفراد بعضهم البعض، مع توفُّر وسائل التواصل الاجتماعي، فأصبح التنازُع على أشدِّه بينهم على اختلاف أماكن أوطانهم في أنحاء بقاع الأرض.

 

لقد لاحظتُ كفرد في هذا الآونة الأخيرة كثرة التلاسُن بين الأفراد المسلمين على منصات التواصل الاجتماعي بأساليبَ وألفاظٍ فِجَّةٍ لا تليق بالمسلمين بعضهم البعض، كُلٌّ منهم يلعن ويُقبِّح ويُكفِّر الآخر وما ينتمي إليه من مذاهبَ أو فِرَق أو جماعات أو دول.

 

وبطبيعة الحال فإن الفتنة هي تفرُّق المسلمين وإطلاق المسميات المختلفة التي حذَّر منها رسول الله في الصدر الأول للإسلام، فقد ثبَت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «افترقَت اليهودُ على إحْدى وسبعين فِرقةً، وافترقَت النصارى على اثنتينِ وسبعينَ فرقةً، وستفترق هذه الأمةُ على ثلاثٍ وسبعينَ فرقةً كُلُّها في النار إلا واحدة»، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: «مَن كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي»؛ (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم)، وقال: صحيح على شرط مسلم، وهذا يعني أنه حديث عن المستقبل، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلق اسمًا على هذه الواحدة، بل وصفها بقوله: «مَن كان على مِثْلِ ما أنا عليه وأصحابي».

 

وكل جماعة تدَّعي أنها المقصودة، وتُطلِق على نفسها مسمًى معينًا، فإن ذلك قد ساهم في التفريق بين المسلمين، وقد حذَّر اللهُ من هذا الخطر في قوله تعالى: {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 32]، وفي هذا تحذير للمسلمين من تشتُّتِهم وتفرُّقِهم فِرَقًا، كُلُّ فريقٍ يتعصَّب لما معه من حقٍّ وباطلٍ، فيكونون مشابهين بذلك للمشركين في التفرُّق، كما قال تعالى أيضًا: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الأنعام: 159]، وهنا يتوعَّد الله تعالى الذين فرَّقوا دينهم، فشتَّتوه وتفرَّقوا فيه، وكلٌّ أخذ لنفسه نصيبًا من الأسماء التي لا تفيد الإنسان في دينه شيئًا؛ كاليهودية والنصرانية والمجوسية، أو لا يكمل بها إيمانه، بأن يأخذ من الشريعة شيئًا ويجعله دينه، ويدَع مثله، أو ما هو أولى منه، كما هو حال أهل الفرقة من أهل البدع والضلال والمفرقين للأُمَّة، وقد أمر الله بالتبرُّؤ منهم فقال: {لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} كما حدَّد طريقة التعامل معهم بقوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ} يردون إليه فيجازيهم بأعمالهم {ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}، حتى لا تزداد الفرقة وتشتعل بينهم الحروب.

 

وقد حثَّ الله المسلمين على التوحُّد وطاعة الله والرسول فقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46]؛ أي: التزموا طاعة الله وطاعة رسوله في كل أحوالكم، ولا تختلفوا فتتفرَّق كلمتُكم، وتختلف قلوبُكم، فتضعفوا وتذهب قوَّتُكم، واصبروا إن الله مع الصابرين ولن يخذلهم.

 

كم دعانا الله إلى قوله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103]؛ أي: تمسَّكوا جميعًا بكتاب ربِّكم وهدي نبيِّكم، ولا تفعلوا ما يؤدي إلى فرقتكم، واذكروا نعمةً جليلةً أنعَمَ الله بها عليكم: إذ كنتم - أيها المؤمنون- قبل الإسلام أعداءً، فجمَع الله قلوبَكم على محبَّته ومحبة رسوله، وألقى في قلوبكم محبة بعضكم لبعض، فأصبحتم - بفضله- إخوانًا مُتحابِّين، وكنتم على حافَةِ نار جهنم، فهداكم الله بالإسلام ونجَّاكم من النار، وكما بيَّن الله لكم معالم الإيمان الصحيح، فكذلك يُبيِّن لكم كل ما فيه صلاحكم؛ لتهتدوا إلى سبيل الرشاد، وتسلكوها، فلا تضلوا عنها، ومن هنا يكون صدقكم مع الله {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119]، يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعمِلوا بشرعه، وامتثلوا أوامر الله، واجتنبوا نواهيه في كل ما تفعلون وتتركون، وكونوا مع الصادقين في أَيمانهم وعهودهم، وفي كل شأن من شؤونهم، وهنا تنالون جائزة ربِّكم.

 

{قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [المائدة: 119]؛ لذلك على كل مسلم ألا يُسمِّي نفسه إلا بما سمَّاه الله، وكفى هذا فخرًا له، أمَّا من يُعلِن غير ذلك عن نفسه فأمره إلى الله، ولا نجرح أحدًا ولا نذكرهم إلا باسم المسلمين، ولا نُكرِّر ما يسمونهم هم لأنفسهم، ولا نسمِّيهم إلا بالمسلمين، وكفى به نورًا للمسلم، فإذا ظهر النور اختفى الظلام، والنور هو الإسلام.

 

{قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15، 16] هذا النور كما سمَّاه الله سيُخفي كُلَّ الظلمات، وكفى به هاديًا من الله.

____________________________________________

الكاتب: أ. د. فؤاد محمد موسى