شواهد كونية في القرآن الكريم

محسن العزازي

الذي يطلبُ الأسبابَ ليخرجَ إلى التقدمِ والازدهارِ على غيرِ بصيرةٍ وهدى لا يُزادُ إلا بعدًا وخزلانًا.

  • التصنيفات: التصنيف العام - التربية والأسرة المسلمة - تربية الأبناء في الإسلام - تربية النفس - تزكية النفس - خطب الجمعة - ماذا قالوا عن الإسلام - الإسلام والعلم -

عندما نرى آلةً تنجز المهام في وقت قصير وبجودة ممتازه نتعجب من براعتها، وننبهر بدقتها، ونثني على صانعها فنصفه بأجل الصفات، فيا أيها المشكك في وجود الله أتؤمن أن لتلك الآلةَ صانعٌ وتنكر أن للكون إلهٌ؟! قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53]، أي سيكشف الله لهم بعض أسرار آياته ليتضح لهم أنه الحق، والله لا يحتاج إلى إثبات ألهيته سبحانه وكفي بالله شهيدا، انظر إلى فطرة ذلك الأعرابي الذي لم يؤتى شهادة علمية يقول: الأثرُ يدلُ على المسيرِ، والبَعْرَةُ تدلُ على البعيرِ، فسماءٌ ذاتُ أبراجٍ وأرضٌ ذاتُ فجاجٍ وبحارٌ ذاتُ أمواجٍ ألا يدلُّ ذلك على السميعِ البصيرِ؟! قال الشاعر معروف الرصافى فى قدرة الله تعالى:

انظر لتلك الشجرة *** ذات الغصون النضرة

كيف نمت من حبة *** وكيف صارت شجرة

فانظر وقل من ذا الذي يخرج منها الثمرة

ذاك هو الله الذي أنعمه منهمرة

ذو حكمة بالغة وقدرة مقتدرة

إنَّ المستقرءَ لآيِ الذكرِ الحكيمِ يجدُ أنَّ المتعلقَ منها بالعقيدةِ والأخلاقِ قدْ جاءتْ بصيغةٍ محكمةٍ، واضحةِ الدلالةِ، جليَّةِ المعنى لا تحتملُ إلّا وجهًا واحدًا؛ إذ الشرائعُ السماويةُ تتفقُ في الأصولِ، وتختلفُ في الفروعِ، أمَّا الآياتُ الكونيةُ فقد جاءتْ بصياغةٍ مجملةٍ موجزةٍ معجزةٍ يفهمُ منها أهلُ كلِّ عصرٍ معنى مِن المعاني يتناسبُ مع ما توافرِ لهم فيهِ مِن إلمامٍ بالكونِ وعلومهِ، وتظلُّ هذه المعاني تتسعُ باستمرارٍ مع اتساعِ دائرةِ المعرفةِ الإنسانيةِ في تكاملٍ لا يعرفُ التضادَ حتى تبقَى الآيةُ القرآنيةُ مهيمنةً على المعرفةِ الإنسانيةِ مهما اتسعتْ دوائرهَا، ولم يجعلْ تلك العلومَ الكونيةَ مِن موضوعهِ؛ لأنَّه كتابُ هدايةٍ وإعجازٍ، وإذا ذُكِرَ فيه شيءٌ مِن الكونياتِ فإنَّما ذلك للهدايةِ ودلالةِ الخلقِ على الخالقِ، وللاستدلالِ بها على توحيدِ اللهِ تعالى، وأحقيتهِ بالعبادة، أو للدلالةِ على حكمٍ تشريعيٍّ، أو على إثباتِ إمكانيةِ البعثِ، وحمايةِ الشبابِ والفتياتِ مِن الوقوعِ في براثنِ الإلحادِ نتيجةَ قلةِ الإيمانِ، وضعفِ اليقينِ.
خص الله تعالى الإنسان بنعمة العقلِ وهو آلة الفكر والتدبر وجاءه الأمرُ بإعماله في المسموع والمشاهد، قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وقال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، سُألتْ السيدةُ عائشةُ عن أعجبِ شيءٍ رأتْهُ مِن رسولِ اللهِ  صلَّى اللهُ عليه وسلم قالتْ: لَمَّا كَانَ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي قَالَ: «يَا عَائِشَةُ ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ اللَّيْلَةَ لِرَبِّي» ، قُلْتُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ وَأُحِبُّ مَا سَرَّكَ، قَالَتْ: فَقَامَ فَتَطَهَّرَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ الْأَرْضَ، فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَآهُ يَبْكِي قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ تَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا» : {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ[1].
قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [محمد : 24] ، وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} [المؤمنون : 68]، وقال: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص : 1] ، فإذا كان الكونُ كتابَ المنظورِ فإنَّ القرآنَ كتابُ المقروءِ أو المسطورِ.
ففيه من الشواهد الكونية على وجود الله {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق : 37]، قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة : 164]، قال تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [غافر : 62]، فالآياتُ تبينُ أنَّ لهذا الخلقِ خالقًا، ولهذا المُلكِ مالكًا، ووراءَ الصورةِ مصورٌ قال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الحشر : 24]. وسُئِلَ الشافعيُّ رحمَهُ اللهُ ما الدليلُ على وجودِ اللهِ قال: ورقةُ التوتِ طعمُهَا واحدٌ، لكنْ إذا أكلَهَا دودُ القزِّ أخرجَهَا حريرًا، وإذا أكلَهَا النحلُ أخرجَهَا عسلًا، وإذا أكلَهَا الظبيُ أخرجَهَا مسكًا ذا رائحةٍ طيبةٍ. فمَن الذي وحدَ الأصلَ وعددَ المخارجَ؟!
ويدعوك كذلك إلى التأمل في قدرته ودقة صنعته: قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ . الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ . ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ . وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ} [الملك : 1 - 5] قال تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل : 88] لقد كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلم يتفاعلُ مع تلك الآياتِ الكونيةِ من ريح وكسوف وخسوف يتغيرُ وجهُهُ مِن الخوفِ؛ خشيةَ أنْ يكونَ في ذلك عذابٌ مِن اللهِ، فكانَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ، قالَ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ ما فِيهَا، وَخَيْرَ ما أُرْسِلَتْ به، وَأَعُوذُ بكَ مِن شَرِّهَا، وَشَرِّ ما فِيهَا، وَشَرِّ ما أُرْسِلَتْ به» ، قالَتْ: وإذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ، تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ، سُرِّيَ عنْه، فَعَرَفْتُ ذلكَ في وَجْهِهِ، قالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ، فَقالَ: «لَعَلَّهُ، يا عَائِشَةُ كما قالَ قَوْمُ عَادٍ:» {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالوا هذا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} [2].
إن تنوع المخلوقات وعظمها ودقة إحكامها واتقانها وحفظها وتدبير شأنها لشاهد على وحدانية خالقها قال تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة : 163] إنَّها دعوةٌ إلى التدبرِ والتأمّلِ في الكونِ، فالكونُ مليءٌ بالآياتِ الدالةِ على وحدانيةِ اللهِ، قال تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف : 54]، وقد أصابَ الشاعرُ لبيدُ بنُ ربيعةَ حيثُ قالَ:

فَيا عَجَبًا كَيفَ يُعصَى الإِلَهُ *** أَم كَيفَ يَجحَدُهُ الجاحِدُ

وَفي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيَةٌ *** تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ واحِدُ

وَلِلَّهِ في كُلِّ تَحريكَةٍ *** وَتَسكينَةٍ أَبَداً شاهِدُ

وصلاحُ السماواتِ والأرضِ، وانتظامُ الكونِ، وانسجامُ المخلوقاتِ مع بعضِهَا، يدلُّ على أنَّ الخالقَ واحدٌ لا شريكَ لهُ قال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء : 22] قال تعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ . أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ . أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ . أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [النمل : 60 - 64].
فمن نظر إلى السماء وحسنها وكمالها وأرتفاعها أيقن أن للكون إلها، ومن نظر إلى الآرض وأتساعها وفجاجها وسبلها وسهوله ورواسيها أيقن أن للكون إلها، ومن نظر إلى نفسه وسمعه وبصره وطعامه وشرابه أيقن أن للكون إلها، ولله در قائل:

للهِ في الآفاقِ آياتٌ لعلَّ *** أقلّهَا هو ما إليهِ هداكَا

ولعلَّ ما في النفسِ مِن آياتهِ *** عجبٌ عجابٌ لو ترى عيناكَا

والكونُ مشحونٌ بأسرارٍ إذا *** حاولتَ تفسيراً لهَا أعياكِا

الآياتِ الكونيةَ تُلفتُ أنظارَ المخاطبينَ وعقولَهُم إلى النظرِ والاعتبارِ والتبصرِ في أحوالِ المجتمعاتِ الغابرةِ، والكشفِ عن أسرارِ هذا الكونِ العجيبِ، وقوانينِهِ قال تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ . هَذَا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} ، فالذي يطلبُ الأسبابَ ليخرجَ إلى التقدمِ والازدهارِ على غيرِ بصيرةٍ وهدى لا يُزادُ إلا بعدًا وخزلانًا، والناظرُ في تاريخِ علماءِ العربِ يجدُ أنَّهم لمَّا التزمُوا بقيمهِ العقليةِ، ومنطلقاتهِ العلميةِ حققُوا ما لم يحققْهُ أحدٌ قبلَهُم، يقولُ المؤرخُ غوستاف لوبن: "وكلمَا أمعنَّا في دراسةِ حضارةِ العربِ والمسلمين وكتبِهِم العلميةِ واختراعاتِهِم وفنونِهِم ظهرتْ لنا حقائقٌ جديدةٌ، وآفاقٌ واسعةٌ، ولسرعان ما رأيتَهُم أصحابَ الفضلِ في معرفةِ القرونِ الوسطى لعلومِ الأقدمين، وإنَّ جامعاتِ الغربِ لم تعرفْ لها مدةَ خمسةَ قرونٍ موردًا علميًّا سوى مؤلفاتِهِم، وإنَّهم هم الذين مدَّنُوا أورُبا مادةً وعقلًا وأخلاقًا،" أ.ه.
تلك الآيات الكونية دليل على صدق النبي صلَّى اللهُ عليه وسلم فالقرآنُ الكريمُ مليءٌ بالكثيرِ مِن الحقائقِ العلميةِ ولو كان القرآنُ مِن قولِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلم لما جازفَ بسوقِ هذه الآياتِ الكثيرةِ؛ لأنَّه سيكونُ قد وضعَ نفسَهُ في مأزقٍ عظيمٍ حينئذٍ، ويتركُ الأمرَ الذي جاءَ بهِ برمتهِ عرضةً للصدفةِ تصدقُهُ أو تكذبُهُ، تقولُ الباحثةُ البولونية ستشيجفسكا: "إنَّ القرآنَ الكريمَ مع أنَّه أُنزلَ على رجلٍ عربيٍّ أميٍّ نشأَ في أمةٍ أميةٍ، فقد جاءَ بقوانينَ لا يمكنُ أنْ يتعلمَهَا الإنسانُ إلَّا في أرقَى الجامعاتِ، كما نجدُ في القرآنِ حقائقَ علميةً لم يعرفْهَا العالمُ إلَّا بعَد قرونٍ طويلةٍ" أ.ه .
قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى : 52]، وقد توصلَ كثيرٌ منهم إلى الإيمانِ بالقرآنِ الكريمِ نتيجةَ الآياتِ الكونيةِ التي اشتملَ عليها، ومِن هؤلاءِ الطبيبُ الفرنسيُّ موريس بوكاي حيثُ يقولُ: "لقد أثارتْ الجوانبُ العلميةُ التي يختصُّ بها القرآنُ دهشتِى العميقة في البدايةِ...، كيف يمكنُ لإنسانٍ - كان في بدايةِ أمرهِ أميًّا - أنْ يصرحَ بحقائقَ ذاتِ طابعٍ علميٍّ لم يكنْ في مقدورِ أيِّ انسانٍ في ذلك العصرِ أنْ يُكِّونَهَا، وذلك دونَ أنْ يكشفَ تصريحَهُ عن أقلِّ خطأٍ مِن هذه الوجهةِ؟" أ.ه .
إن من يرى أيات الله ثم يجحدها لكفر عظيم، فانظر إلى ضعفك أيها المسكين يا من غرك حلم الكريم، فجنود ربك من حولك تحوم: زلازل مدمرة وأعاصير عاتية وأمواج كالجبال تزوم، وهلاك حر أحرق غابات وفيضان سيل جموح، وجمود خلق يلوح، وغلاء بيع ووباء أذل عزيز قال تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} [المدثر : 31],إنها آياتٌ مسخراتٌ لا تطيقُها الطاقاتُ ولا تقدرُ عليها القدراتُ ولا تنفعُ معها التنبؤاتُ والترصداتُ، قال تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ . أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} [الملك : 16 - 17]، وللهِ درُّ القائلِ:

بك أستجيرُ ومَن يجيرُ سواكَا *** فأجرْ ضعيفًا يحتمِي بحماكَ

إنِّي ضعيفٌ أستعينُ على قوىَ *** ذنبِي ومعصيتِي ببعضِ قواكَا

أذنبتُ ياربِّي وآذتنِي ذنوبٌ *** مالَها مِن غافرٍ إلّا كَا

دنياي غرتنِي وعفوكَ غرنِّي *** ماحيلتِي في هذهِ أو ذا كَا

يا غافرَ الذنبِ العظيمِ وقابلًا *** للتوبِ قلبٌ تائبٌ ناجاكَا

أتردَّهُ وتردَّ صادقَ توبتِي *** حاشَاكَ ترفضُ تائبًا حاشاكَ

فليرضَ عنِّي الناسُ أو فليسخطُوا *** أنَا لم أعدْ أسعَى لغيرِ رضاكَا

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. (صحيح ابن حبان [620]).
        
  2. (مسلم [899])