انظر إلى آثار رحمة الله تعالى في تشريعه

من رحمة الله بالعباد أن كلَ أمر لله تعالى ولرسوله ﷺ يصاحبه تخفيف قبل امتثال الفعل وتخفيف أثناء الفعل وتخفيف بعد الفعل.

  • التصنيفات: الفقه وأصوله - - آفاق الشريعة -

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:  {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28].

 

تأمَّل وصف الله تعالى للإنسان بالضعف، بعد إخباره تعالى بأنه يريد أن يخفف عن عباده؛ لتعلم أن علة التخفيف هي ضعف بني آدم، وصورُ ضعف الإنسان كثيرة جدًّا، فهو ضعيف العزم، كما قال الله تعالى:  {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115].

 

ومن ضعف العزم: ضعف العباد في امتثال أوامر الشرع، ومن رحمة الله بالعباد أن كلَ أمر لله تعالى ولرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصاحبه تخفيف قبل امتثال الفعل وتخفيف أثناء الفعل وتخفيف بعد الفعل.

 

ومن تخفيف الله تعالى على العباد في الصلاة: إيجاب الصلاة على المؤمنين خمس صلوات في اليوم والليلة، وكان مبدأ فرضها خمسين صلاةً؛ وقد قال الله تعالى: « {إِنِّي قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي} »[1].

 

ومن تخفيف الله تعالى على العباد في الصيام: تخصيص المؤمنين بالذكر عند تشريعه بقوله:  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}، وتخفيف بالتأسي:  {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، وتخفيف بذكر علة التشريع:  {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، وتخفيف بذكر القدر: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} [2].

 

وتخفيف بذكر الأجر؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[3].

 

وتخفيف بالثناء على الامتثال؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ»[4].

 

فانظر يا عبد الله إلى آثار رحمة الله تعالى بالعباد في تشريعه، لتعلَم حفظَ الشرع لدين العباد ونفوسهم، وعقولهم، وأموالهم، ونسْلهم، وأعراضهم، ولا قوام للعباد إلا بحفظها مجتمعةً، ولا سبيل للمحافظة عليها إلا بتطبيق شرع الله تعالى الذي أتى بجلب كلِّ مصلحة، ودرءِ كل مفسدة.

 


[1] رواه البخاري- ‌‌كِتَابُ بَدْءِ الْخَلْقِ، ‌‌بَابُ ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ، حديث رقم: 3207.

[2] سورة البقرة: الآية/ 183.

[3] رواه البخاري -‌‌ كتَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، ‌‌بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، حديث رقم: 2014، ومسلم - ‌‌كتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا، ‌‌بَابُ التَّرْغِيبِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، وَهُوَ التَّرَاوِيحُ، حديث رقم: 670.

[4] رواه البخاري، ‌‌كِتَابُ الصَّوْمِ، ‌‌بَابٌ: هَلْ يَقُولُ: إِنِّي صَائِمٌ إِذَا شُتِمَ، حديث رقم: 1904، ومسلم - ‌‌كِتَابُ الصِّيَامِ، بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ، حديث رقم: 1151.

______________________________________________
الكاتب: سعيد مصطفى دياب