تكْرار العمْرة في سفريَّة واحدة، والعمرة لأهل مكَّة

خالد عبد المنعم الرفاعي

  • التصنيفات: فقه الحج والعمرة -
السؤال:

ما حُكْم تكْرار العمْرة في سفريَّة واحدة، وهي مسألة مشهورة عند المعتمرين والزَّائرين، وما حكم العمرة لأهل مكَّة؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فإنَّ تكْرار العمْرة في السَّنة مستحبٌّ؛ لما في الصَّحيحين عنْ أبِي هُرَيْرة رضِي الله عنْه: أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: "العُمْرة إلى العمْرة كفَّارة لِما بيْنهما، والحجُّ المبْرور ليْس له جزاء إلاَّ الجنَّة" وهذا هو مذْهب جمهور العلماء.

يستحبُّ الإكثار من العمرة، ولا يُكْره تَكْرارها في السَّنة الواحدة عند الجمهور (الحنفيَّة والشَّافعيَّة والحنابلة، ومطرّف وابن الماجشون من المالكيَّة)، وهو قول عليٍّ وابن عمر، وابن عبَّاس وأنس، وعائشة رضي الله تعالى عنهم وعطاء وطاوس وعكرمة رحمهم الله وتدلُّ لهم الأحاديث الواردة في فضل العمرة والحثِّ عليها؛ فإنَّها مطلقة تتناول تكرار العمرة وتحثُّ عليه.

وفصَّل ابن قدامة ما يستحبُّ فيه الإكثار، فقال: قال عليٌّ رضي الله عنه: في كل شهر مرَّة، وكان أنس إذا حمَّم رأْسه، خرج فاعتمر، وقال عكرمة: يعتمر إذا أمكن الموسى من شعره، وقال عطاء: إن شاء اعتمر في كل شهر مرَّتين، وقال أحمد: إذا اعتمر فلا بدَّ أن يحلق أو يقصِّر، وفي عشرة أيَّام يمكن حلق الرأس.

وقال الشَّافعي: إنْ قدر أن يعتمِر في الشَّهر مرَّتين أو ثلاثًا، أحببتُ له ذلك.

والمشهور عند المالكيَّة: يُكْرَه تكرار العمرة في السَّنة مرَّتين، وهو قول الحسن وابن سيرين، وتندب الزّيادة على المرَّة؛ لكن في عام آخَر.

قال في "سبل السلام": "(العمْرة إلى العمرة): دليلٌ على تَكْرار العمرة، وأنَّه لا كراهة في ذلك، ولا تَحديد بوقت". اهـ.

قال النَّووي في "المجموع": "ولا يُكْرَه عمرتان، وثلاثٌ، وأكْثر، في السَّنة الواحدة، ولا في اليوْم الواحد، بل يستحبُّ الإكْثار منها، بِلا خلافٍ عندنا". اهـ.

أمَّا تكْرار العمْرة في السفرة الواحدة، فغيرُ مشْروع لمن قضى عمرتَه أن يُحرم بعُمرة أُخرى من أدْنى الحلِّ، سواء التَّنعيم أو غيره؛ لأنَّ الثَّابت عنْ أكثر السَّلف: أنَّهم كانوا لا يؤدُّون أكثر من عمْرة في السَّفرة الواحدة.

قال شيخ الإسلام: "ولم يعتمِر بعد حجِّه، لا هو ولا أحدٌ ممَّن حجَّ معه؛ إلاَّ عائشةَ، لما كانتْ قد حاضتْ، وأمرها أن تهلَّ بالحج، ثمَّ أعمرها مع أخيها عبدالرَّحمن من التنعيم؛ ولِهذا قيل لِمَا بُنِي هناك من المساجد: مساجد عائشة؛ فإنَّه لم يعتمِر أحدٌ من الصَّحابة على عهْد النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لا قبل الفتح ولا بعده عمرةً من مكَّة إلاَّ عائشة".

وقال: "ولم يعتمِر من مكَّة على عهد رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلاَّ عائشة خاصَّة؛ لأجل هذا العُذْر، وأمَّا عُمَر النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم فإنَّما كانت وهو قاصدٌ إلى مكَّة، فأحْرم بالعمرة عام الحديْبية من ذي الحليفة، وحلَّ بالحديبية، لمَّا أحصر وصدَّه المشركون عن البيت، والحديْبية غربيَّ جبَل التَّنعيم حيثُ بايع النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أصحابَه تحت الشَّجرة وصالَحه المشركون، وجبل التَّنعيم هو الجبَل الذي عند المساجِد الَّتي تسمَّى مساجد عائشة عن يَمينِك وأنت داخلٌ إلى مكَّة، وتلك المساجد مبنيَّة في التَّنعيم، ولم تكُن هذه المساجِد على عهْد النَّبيِّ صلَّى الله عليْه وسلَّم فإنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أمرها أن تعتمِر من التَّنعيم، والتَّنعيم أدْنى الحل إلى مكَّة؛ فهو أقْرب الحلِّ إلى مكَّة، والمعتمر من مكَّة يَخرج إلى الحلِّ ليجمع بين الحلِّ والحرم بِخلاف الحاجِّ من مكَّة، فإنَّه يَخرج إلى عرفة، وعرفة من الحل، ثمَّ اعتمر من العام القابل عمرةَ القضيَّة من ذي الحليفة، ثمَّ لمَّا لقي هوازن بوادي حُنين فهزمَهم، ثمَّ ذهب إلى الطَّائف فحاصرهم، ثمَّ رجع إلى الجعرانة فقسَّم غنائم حُنين بالجعرانة- اعتمرَ داخلاً إلى مكَّة، وحُنين والجعرانة والطَّائف، كلُّ ذلك من جهة الشَّرق، شرقيَّ عرفات، فأقربُها إلى عرفة الجعرانة، ثم وادي حنين، ثمَّ الطَّائف، ولم يكن يَخرج هو ولا أصحابُه من مكَّة فيعتمِرون؛ إلاَّ ما ذُكِر من حديث عائشة ..... وأمَّا المقيم بِمكَّة، فكثْرة الطَّواف بالبيت أفضلُ له من العمْرة المكّيَّة؛ كما كان الصَّحابة يفعلون إذا كانوا مُقيمين بمكَّة، كانوا يستكْثِرون من الطَّواف، ولا يعتمِرون عمْرةً مكّيَّة، فالصَّحابة الذين استحبُّوا الإفْراد - كعُمر بن الخطَّاب وغيره- إنَّما استحبُّوا أن يُسافِر سفرًا آخَر للعُمرة؛ ليكون للحجِّ سفرٌ على حدة، وللعمرة سفرٌ على حدة، وقال عليٌّ: "مِن تمام العُمرة أن تقدم من دويْرة أهلِك"، وكان سفْيان بن عييْنة يفسِّره: أن يُنشئ لها سفرًا يقصد له، ليْس أن تُحْرم من أهلِك حتَّى تقدم الميقات، وقال عمر: في العمرة من دويْرة أهلك".
وقال: ولم يعتمِر بعد الحجِّ أحدٌ ممَّن كان مع النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلاَّ عائشة وحْدها؛ لأنَّها كانت قد حاضتْ فلم يمكِنها الطَّواف؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: "تقْضي الحائض المناسِك كلَّها إلاَّ الطَّواف بالبيت"، فأمرها أن تهلَّ بالحجِّ وتدَع أفْعال العمرة؛ لأنَّها كانت متمتِّعة، ثمَّ إنَّها طلبت من النَّبيِّ صلَّى الله عليْه وسلَّم أن يعمرها، فأرْسلها مع أخيها عبد الرَّحْمن، فاعتمرتْ من التَّنعيم.

ولم يكُن على عهد النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وخلفائِه الرَّاشدين أحدٌ يخرج من مكَّة ليعتمِر إلاَّ لعذْرٍ، لا في رمضان ولا في غيْر رمضان، والَّذين حجُّوا مع النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ليس فيهم منِ اعتمر بعد الحجِّ من مكَّة إلاَّ عائشة كما ذُكِر، ولا كان هذا من فِعْل الخلفاء الرَّاشدين، والَّذين استحبُّوا الإفراد من الصَّحابة إنَّما استحبُّوا أن يحجَّ في سفرة ويعتمِر في أخرى، ولم يستحبُّوا أن يحجَّ ويعتمِر عقب ذلك عمرة مكّيَّة؛ بل هذا لم يكونوا يفعلونه قطّ، اللَّهمَّ إلاَّ أن يكون شيئًا نادرا". اهـ. موضع الغرض منه.

أمَّا العمرة لأهل مكَّة، فمشروعة، وأجْمع الفقهاء على أنَّ المعتمِر المكِّي يلزمه الخروج إلى الحلِّ للإحرام؛ ليجمع في النسك بين الحلِّ والحرم، ولكن الطواف بالبيت أفضَل في حقِّ المكِّي، والمقيم، والمجاور.

وقد نصَّ الإمام أحمد: أنَّ أهل مكَّة ليس عليهِم عمرة، وروى عن ابنِ عبَّاس أنَّه قال: "يا أهل مكَّة، ليس عليْكم عمرة، إنَّما عمرتكم الطَّواف بالبيت، فمَن أبَى إلاَّ أن يعتمر، فليجعَل بيْنه وبين مكَّة بطن واد"، وكذلك لم يثبت عن الصَّحابة المقيمين بمكَّة على عهْد النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنهم اعتمروا من مكَّة.

وسُئِل أبو العباس: أيُّما أفضل لمن كان بمكَّة: الطواف بالبيت أو الخروج إلى الحلّ ليعتمِر منه ويعود؟ وهل يستحبُّ لِمن كان بمكَّة كثرة الاعتِمار في رمضان أو في غيرِه، أو الطَّواف بدل ذلك؟

فأجاب: أمَّا مَن كان بمكَّة من مستوطِن ومُجاور، وقادم وغيرهم، فإنَّ طوافه بالبيت أفضل له من العمرة، وسواء خرج في ذلك إلى أدْنى الحلِّ، وهو التنعيم الَّذي أحدث فيه المساجد التي تسمَّى "مساجد عائشة"، أو أقصى الحلِّ من أيّ جوانب الحرَم، سواء كان من جهة "الجعرانة" أو "الحديبية"، أو غير ذلك، وهذا المتَّفق عليه بين سلَف الأمَّة، وما أعلم فيه مخالفًا من أئمَّة الإسلام في العمرة المكيَّة، فأمَّا كوْن الطَّواف بالبيت أفضل من العمرة لِمن كان بمكَّة، فهذا مما لا يستَريب فيه مَن كان عالمًا بسنَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وسنَّة خلفائِه، وآثار الصَّحابة وسلف الأمَّة وأئمَّتها؛ وذلك أنَّ الطواف بالبيت من أفضل العبادات والقرُبات التي شرعها الله تعالى في كتابِه، وعلى لسان نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم وهو من أعظم عبادة أهْل مكَّة؛ أعْني: من كان بمكَّة مستوطنًا أو غير مستوطن، ومن عباداتِهم الدَّائمة الرَّاتبة التي امتازوا بها على سائر أهل الأمْصار، وما زال أهل مكَّة على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وخلفائه وأصحابه رضِي الله عنهم يطوفون بالبيت في كلِّ وقتٍ، ويُكثرون ذلك.

وكذلِك أمر النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولاة البيت ألاَّ يَمنعوا أحدًا من ذلك في عموم الأوقات؛ فروى جبيرُ بن مطعم: أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: "يا بني عبد مناف، لا تَمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت، وصلَّى فيه أيَّة ساعة شاء من ليلٍ أو نَهار" (رواه مسلم في صحيحِه، وسائر أهل السنن كأبي داود والترمذي، والنَّسائي وابن ماجه، وغيرهم).

وقد قال تعالى لخليلِه إمام الحُنفاء، الَّذي أمره ببناء البيْت، ودعا النَّاس إلى حجِّه: {أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125]، وفي الآية الأخرى: {وَالْقَائِمِينَ} [الحج: 26]، فذكر ثلاثة أنواع: الطَّواف والعكوف والرّكوع مع السّجود، وقدَّم الأخصَّ فالأخص؛ فإنَّ الطَّواف لا يشرع إلاَّ بالبيت العتيق باتِّفاق المسلمين.

وأمَّا الاعتمار للمكّي بِخروجه إلى الحلّ، فهذا لم يفعلْه أحدٌ على عهد رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قطّ؛ إلاَّ عائشةَ في حجَّة الوداع، مع أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يأمُرْها به؛ بل أذِن فيه بعد مراجعتها إيَّاه، كما سنذكره إن شاء الله تعالى.

فأمَّا أصحابُه الَّذين حجُّوا معه حجَّة الوداع كلّهم، من أوَّلِهم إلى آخرهم، فلم يَخرج أحدٌ منهم لا قَبل الحجَّة ولا بعدها، لا إلى التَّنعيم ولا إلى الحديبية، ولا إلى الجعرانة، ولا غير ذلك - لأجل العمرة.

وكذلك أهل مكَّة المستوْطنين، لَم يخرج أحدٌ منهم إلى الحلّ لعمرة، وهذا متَّفق عليه، معلوم لجميع العُلماء الَّذين يعلمون سنَّته وشريعته، وكذلِك أيضًا أصحابه الَّذين كانوا مقيمين بمكَّة من حين فتْحِه مكَّة، من شهر رمضان سنة ثَمان، وإلى أن توفِّي، لَم يعتمِر أحدٌ منهم من مكَّة، ولَم يَخرج أحدٌ منهم إلى الحلّ ويهلّ منه، ولَم يعتمِر النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو بمكَّة قط.

فإذا كان المسلمون حين كانوا بمكَّة من حين بعث النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى أن توفِّي، إذا كانوا بمكَّة لم يكونوا يعتمرون من مكَّة؛ بل كانوا يطوفون ويحجّون من العام إلى العام، وكانوا يطوفون في كلّ وقت من غير اعتِمار - كان هذا ممَّا يوجب العِلْم الضَّروري: أنَّ المشروع لأهل مكَّة إنَّما هو الطَّواف، وأنَّ ذلك هو الأفضل لهم من الخروج للعمرة؛ إذ من الممتنِع أن يتَّفق النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وجَميع أصحابه على عهدِه على المداومة على المفضول وترْك الأفضل؛ فلا يفعل أحدٌ منهم الأفضل، ولا يرغِّبهم فيه النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فهذا لا يقولُه أحدٌ من أهل الإيمان.

وممَّا يوضِّح ذلك: أنَّ المسلمين قد تنازعوا في وجوب العمرة لوجوب الحجّ، على قولَين مشهورَين للعلماء، ومع هذا، فالمنقول الصَّريح عمَّن أوْجب العمرة من الصَّحابة والتَّابعين لم يوجِبْها على أهل مكَّة، قال أحمد بن حنبل: كان ابن عبَّاس يرى العمرة واجبةً ويقول: يا أهلَ مكَّة، ليس عليكم عمرة، إنَّما عمرتكم طوافُكم بالبيت، وقال عطاء بن أبي رباح -أعْلم التَّابعين بالمناسِك وإمام النَّاس فيها-: ليس أحدٌ من خلْق الله إلاَّ عليه حجَّة وعمرة واجبتان، لا بدَّ منهما لِمَن استطاع إليْهِما سبيلاً، إلاَّ أهل مكَّة؛ فإن عليْهم حجَّة، وليس عليهم عمرة؛ من أجل طوافِهم بالبيت، وهم يفعلونه، فأجْزأ عنهم، وقال طاوس: ليس على أهل مكَّة عمرة؛ رواه ابن أبي شيبة،، والله أعلم.